أما حان وقت المفاوضات المباشرة؟
حسن علاء الدين
يقول المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بنيامين نتنياهو: “من لا يفهم بالقوة، سيفهم بمزيد من القوة”، معلنا بذلك أساس منهجه في التعامل مع أعدائه، المنهج القائم على استخدام موجات متتابعة ومتصاعدة من القوة العسكرية المفرطة بحيث لا يُبقي لخصمه مساحة للرد أو امتصاص الضربات أو مواجهة التحديات.
المنهج الفاسد في تبرير المفاسد
ولقد تعاهد مُريدو نتنياهو والمتأثرون به في لبنان والمنطقة على السير في خطاه واستخلاص العبر من كلماته. ولكنهم إذ لا حول لهم ولا “قوة” عسكرية يستخدمونها في الصراع، ارتأوا انتهاج المنهج ذاته بما يمتلكون من قدرات. فباتوا يقولون بلسان الحال: “إن الحقيقة التي لا تُطمس بالتضليل والتدليس، ستُطمس بالمزيد من التضليل والتدليس”. فتراهم يُطلقون موجات متتابعة ومتصاعدة من الأضاليل يملأون بها الفضاء، بحيث تصبح الكذبة حقيقة مسلّما بها يُطعن في من يبيّن بطلانها.
ومن الأضاليل الممجوجة التي يدأب بعض “الآخرين” على تكرارها في كل وقت وحين كون المفاوضات المباشرة مع “إسر/ئيل” الحلّ الوحيد الذي لا محيص عنه لإيقاف حمّام الدم وإحلال السلام، محتجّين بفشل الحرب في تحقيق ذلك ومتسائلين “شو جاييني من الحرب تبعك؟”، محاولين بذلك اغتيال ذاكرة أبناء الأرض.
المفاوضات المباشرة: كأس مرّة قد تجرّعناها
يتناسى البعض أن لبنان جرّب المفاوضات المباشرة تحت العباءة الأمريكية مسبقا، تلك المفاوضات التي جاءت في أعقاب اجتياح عام 1982 والتي أفضت إلى اتفاق الخزي والعار بحسب توصيف كثير من اللبنانيين في 17 أيار 1983 الذي أسقطته سواعد جماعة ما زال بعض رموزها على قيد الحياة والوطنية في انتفاضة 6 شباط. ولم تتحرر بيروت إلا بفعل العمل المقاوم الذي نما وتطوّر وتمكّن لاحقا من تحقيق التحرير التاريخي في 25 أيار 2000 المتمثل بالانسحاب “الإسر/ئيلي” غير المشروط.
كما سلكت منظمة التحرير الفلسطينية مسار المفاوضات نفسه الذي تُوّج باتفاقية أوسلو عام 1993، حيث تخلّت المنظمة عن الكفاح المسلح وقامت بالاعتراف ب”إسر/ئيل” كدفعة على الحساب في مقابل وعود سرعان ما تراجع عنها مطلقوها. فالاتفاقية التي كانت تُعدّ بابا لإقامة دولة فلسطينية تحوّلت إلى رصاصة أصابت هذا المشروع في الصميم. فبدلا من إنهاء الاستيطان في الضفة الغربية والانسحاب منها، ارتفع عدد المستوطنين في الضفة من قرابة مئة ألف زمن الاتفاقية إلى قرابة مليون الآن. وتحوّلت السلطة الفلسطينية إلى ما يشبه ضابطة عدلية تلاحق من تريد منها “إسر/ئيل” ملاحقته.
مصر والأردن: حيث لا تجوز المقارنة
يحاول البعض التحايل والقول إن مصر والأردن تمكّنتا من توقيع اتفاقيات سلام مقبولة ومشرّفة، ولكن الوقائع تُسقط هذه المقولة. فاتفاقية كامب دايفد -على شؤمها وبؤسها- جاءت بعد حرب أكتوبر 1973 التي كادت تغسل عار العرب في نكسة 1967. كما إن الاتفاقية لم تكن لتُوقّع لولا تخلي مصر عن دورها التاريخي في غزة، ولولا قبولها بقيود متشددة تمسّ سيادتها في شبه جزيرة سيناء. صحيح إن مصر استطاعت تحصيل بعض المكتسبات من الاتفاق، إلا إن الكلفة التي دفعتها “إسر/ئيل” كانت في مقابل إخراج أقوى جيش عربي وأخطر جار على الحدود من معادلة الصراع. فالتنازلات كانت بسبب موقع مصر وبسبب مفاعيل الحرب لا بفضل الاحتماء بالولايات المتحدة واستراتيجية البكاء عندها التي ينظّر لها بعض أركان السلطة في لبنان.
أما بالنسبة إلى اتفاقية وادي عربة مع الأردن، فلقد جاءت كنتيجة لمسار مدريد واتفاقية أوسلو، وما كانت لتكون أيضا لولا تخلي الأردن عن دورها التاريخي في الضفة والقدس، وقبولها بلعب دور حارس حدود “إسر/ئيل”. لقد قدّمت مصر والأردن مكتسبات ضخمة ل”إسر/ئيل” في مقابل السلام، فماذا يملك لبنان ليقدّمه في المفاوضات غير جزء من أرضه ورأس من دافعوا عن الأرض كلها؟
النموذج السوري حجة على كل عاقل
قد يقول البعض إن الزمن قد تغيّر، ولا يمكن مقاربة الواقع الحالي برواسب الماضي، وإن “إسر/ئيل” لا تريد سوى “أمنها” والعيش بسلام مع جيرانها. ولكن النموذج السوري يبيّن فساد هذا الرأي وتهافته، فبعد سقوط الحكومة السورية السابقة، فُتحت الأجواء السورية أمام “إسر/ئيل” لتضرب جلّ مقدّرات الجيش السوري. وقامت السلطة الانتقالية في سوريا بإخراج إيران وقطع طريق إمداد المقاومة في لبنان والتعهّد بضمان أمن “إسر/ئيل”. ثم تجاوزت ذلك إلى إجراء مفاوضات مباشرة على أعلى المستويات من وزراء ورؤساء أجهزة مخابرات وغيرها لتحقيق “السلام”، مقدّمة تنازلات سيادية قاسية كغضّ النظر عن احتلال الجولان والقبول بمنطقة أمنية خالية من السلاح تمتد حتى مشارف دمشق وغير ذلك. ولم تطلب سوريا سوى حفظ بعض مما تبقى من ماء وجهها المبذول عبر الانسحاب من جبل الشيخ والمنطقة التي احتلتها “إسر/ئيل” بعد سقوط الحكومة السابقة.
وعلى الرغم من كل الدعم التركي والاحتضان الخليجي وآثار العطر الذي بخّه ترامب في البيت الأبيض على بدلة أحمد الشرع ومدائح توم براك المتكررة للحكم السوري الجديد، إلا إن “إسر/ئيل” لم ترض بالتنازل عن الأراضي التي احتلتها. بل ما زالت تُمعن في إذلال الحكم السوري بالتوغلات شبه اليومية التي تنفّذها وما يرافقها من إقامة حواجز واعتقالات وغير ذلك. إن الدعم الإقليمي والدولي الذي يحظى به الحكم الانتقالي في سوريا -والذي لا يحلم لبنان في الحصول على عُشره- لم يتمكن من استرداد جزء من الأراضي السورية المحتلة. فكيف تعوّل السلطة في لبنان على تحرير الأرض وإطلاق الأسرى ووقف الاعتداءات وإعادة الإعمار من خلال مفاوضات تُهرول إليها عارية بلا توافق داخلي ولا دعم خارجي ولا أوراق ضغط؟
لقد علّمنا التاريخ أن ما يؤخذ بالقوة لا يُستردّ إلا بالقوة. وعلّمنا أيضا أن الأثمان التي تُبذل في سبيل تحرير الأرض والدفاع المشروع عن النفس والوطن تبقى أقلّ بكثير من الأثمان التي تُبذل في مسار التفاوض من موقع الضعف. ولكن البعض يصرّ على استعداء التاريخ الذي يُكتب اليوم بمداد من الدماء، فما أصبرهم على لعنة التاريخ!
