على مسافة ميلٍ أو ميلين، تحوٍّل بحر قطاع غزة إلى قفصٍ مائي تصطاد فيه الزوارق الحربية الصيادين، وترهن ذلك بمزاج من يضع أصبعه على الزناد، فإما يوقع صياداً مصاباً، أو يردي آخر شهيداً، أو يقتحم قارباً فيعتقل من فيه، وضع حوّل حياة الصيادين في غزة إلى “رقصة مع الموت”، فلا يقاس نجاح رحلة الصيادين بوزن ما تجمعه شباكهم، بل بقدرتهم على العودة إلى اليابسة دون أن تغتاله رصاصة، أو تقتاده الزوارق إلى الاعتقال.
اليوم، وسط أزمة طاحنة أفرزها العدوان وأتت على ما تبقى من الثروة السمكية، يغدو البحر الذي كان يوماً “خزان الغذاء” مجرد مساحةٍ ضيقة من اليأس، يحاول الصيادون فيها الخروج بما يلوّن السوق ببضع أصناف من الأسماك، فبعد شهورٍ من العدوان، لم تعد الأمواج تجود بما كانت عليه؛ بين تلوثٍ طال الشواطئ، ومنعٍ للصيادين من الوصول إلى أماكن التكاثر، أسباب تحول دون استئناف هذه التجارة التي تعود بالنفع على الصياد والمواطن.
تهديدٌ للأمن الغذائي
في تقرير سابق صدر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، أفادت المنظمة بأن قطاع الصيد في غزة كان يشكل قبل الحرب مصدر رزق رئيسي لنحو 6,000 شخص، بينهم 4,200 صياد مسجل، وكان يعيل قرابة 110 آلاف نسمة في المجمل.
وأوضحت المنظمة أن الصيادين كانوا يواجهون قيودا مشددة حتى قبل التصعيد الأخير، إذ كانت المناطق التي يسمح بها الصيد تقتصر على ستة أميال بحرية شمالا و15 ميلا جنوبا. أما اليوم، فأصبح الصيد يجري على بعد أمتار قليلة من الشاطئ، ما يجعل حياة الصيادين في خطر دائم.
وذكرت منظمة الفاو أن مرفأ غزة البحري، شمال وادي غزة، تعرض لأضرار جسيمة أدت إلى تدمير الغالبية العظمى من القوارب، مما فاقم أزمة الأمن الغذائي في القطاع.
استهداف مباشر، وتدمير البنية التحتية
تطلق البوارج الحربية النار على الصيادين بشكل يومي، كما دمرت قوات الاحتلال منذ بدء العدوان على قطاع غزة معظم مراكب ومعدات الصيد، الأمر الذي اضطر الصيادين لاستخدام مراكب بدائية الصنع من ألواح الفلين وأبواب الثلاجات، أو الصيد اليدوي لعدم القدرة على تشغيل المحركات منذ سنوات.
ووفقا لتقرير مشترك صادر عن مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان وشبكة المنظمات الأهلية في غزة فإن أكثر من 90% من قوارب ومراكب الصيد، بالإضافة إلى غرف ومخازن الصيادين، تعرضت للتدمير بشكل الكامل، مما أدى إلى فقدان ما لا يقل عن 4,500 صياد و1,500 عامل في المهن المرتبطة بالصيد، مصدر دخلهم الوحيد.
في هذا السياق، يقول مسؤول لجان الصيادين التابعة لاتحاد لجان العمل الزراعي في قطاع غزة زكريا بكر في حديث مع “بوابة الهدف” إنّ ملامح الساحل الغزي تماماً؛ فالبحر الذي كان يوماً متنفساً للصيادين، تحول إلى منطقة عسكرية مغلقة بقرار من الاحتلال، كما أوضح الفارق بين ما قبل العدوان وبعده، مشيراً في هذا السياق إلى أن المساحة المتاحة قبل حرب الإبادة، كانت مجزأة ما بين 6 أميال بحرية من غزة نحو الشمال، وتصل إلى 15 ميلاً من غزة حتى رفح جنوباً، أما اليوم، فالواقع يفرض “صفر ميل بحري”.
وحول الضحايا، أضاف بكر أنّه لا وجه للمقارنة في حجم التضحيات، فبينما كان يسقط شهيدان في “أسوأ الظروف” سابقاً، ارتقى منذ بدء حرب الإبادة 232 شهيداً من الصيادين، فيما خلفت الحرب نحو 100 جريح في صفوف الصيادين، إضافة إلى 100 حالة اعتقال تمت تحت تهديد السلاح من داخل عرض البحر.
انهيار غذائي وإنتاج معدوم
في هذا الشأن، لفت زكريا بكر إلى أنّ القيود الصارمة أدّت إلى جفاف “سلة الغذاء” البحرية لقطاع غزة، مما فاقم أزمة الأمن الغذائي، فقد انحدر الإنتاج السنوي من 4000 طن سنوياً قبل الحرب إلى مستويات لا تذكر حالياً، فقد كان البحر يمد القطاع بمعدل يتراوح بين 15 إلى 20 طناً يومياً، أما الآن، فبالكاد يتم إنتاج 10 أطنان شهرياً.
وبين أنّ نسبة العجز الحالية عالية جداً، فإنّ ما يتم إنتاجه حالياً لا يتجاوز 2% من حجم الإنتاج الطبيعي الذي كان سائداً قبل حرب الإبادة.
وعن الموقف الدولي والتحركات القانونية إزاء الانتهاكات الإسرائيلية، يقول مسؤول لجان الصيادين أنّه وعلى الرغم الضجيج الدبلوماسي والمحاولات الإنسانية، تظل الفعالية على الأرض غائبة، مؤكداً أنّ إسرائيل تضرب بكل القوانين والأعراف الدولية عرض الحائط، مستندة إلى دعم أمريكي يجعلها في مأمن من المحاسبة، في الوقت الذي لا تزال فيه رهانات على أساطيل كسر الحصار التي من المتوقع أن يتحرك أحدها قريباً، رغم أن كافة المناشدات والقرارات الدولية السابقة لم تنجح في لجم الانتهاكات الإسرائيلية بحق الصيادين.
تمسك بالبحر رغم رائحة الموت
ويختم زكريا بكر حديثه مع الهدف بالإشارة إلى أن الصياد الفلسطيني يخوض معركته الخاصة مدفوعاً بدوافع تتجاوز مجرد “الرزق”، بحيث يرى نفسه حارساً لموروث حضاري وثقافي، ومحافظاً على مهنة الآباء والأجداد التي تعبر عن الهوية الفلسطينية، كما أن الإصرار هو رسالة سياسية ووجودية مفادها أن هذا البحر ملك للفلسطينيين، وهم جزء أصيل من مكوناته لا يمكن اقتلاعهم منه، ويراهن من خلاله الصياد على شجاعته لتأمين ما يمكن من الغذاء لشعبه المحاصر، معتبراً أن حياته ثمنٌ مقبول في سبيل صمود مجتمعه.
هذه الرسالة التي أكدها الصياد “أبو علي” في حديث مع “الهدف”، حول مستقبل الصيادين ورسالتهم على الرغم كل العدوان الذي يتعرضون له قائلاً: “أنا صياد ابن صياد، لا أعرف مهنة أخرى. في غزة، الخيارات معدومة؛ إما أن تموت من الجوع داخل بيتك، أو تموت وأنت تحاول تأمين لقمة عيش كريمة، نحن لا نطلب المستحيل، نطلب فقط أن نصطاد بحرية في بحرنا دون أن يُطلق علينا الرصاص”.
خطر دائم.. وأفق اقتصادي ضيق
يقول الصياد “ابو علي” إن الموت يتربص بالصيادين في كل متر داخل عرض البحر، فضلاً عن أن الاحتلال قلص مساحة الصيد بشكل خانق، وأي تجاوز بسيط —أو حتى دون تجاوز— يعرضنا لإطلاق النار المباشر.
وأشار أبو علي إلى أن القذائف والرصاص الذي تطلقه الزوارق الإسرائيلية تسقط بالقرب من قواربنا، والرصاص يخترق المحركات، لافتاً إلى خطر الاعتقال؛ حيث يتم إجبار الصيادين أحياناً على خلع ملابسهم والسباحة في البرد للوصول لزوارقهم، ثم تُصادر القوارب التي هي مصدر الرزق.
ويصف أبو علي الوضع الاقتصادي بالمقارنة بما قبل الحرب بـالكارثي”، مردفاً: “في الماضي كنا نصل لمسافات تسمح بصيد أنواع جيدة من السمك (اللوكس والدنيس)، اليوم، نحن محاصرون في “منطقة ميتة” قريبة من الشاطئ، لا يوجد فيها سوى الأسماك الصغيرة جداً وبكميات قليلة، ففي أفضل الأيام، ما أصيده لا يغطي ثمن الوقود اللازم للمحرك، ناهيك عن تكاليف صيانة الشباك التي تضاعفت أسعارها بسبب الحصار”.
لقد تحوّل بحر غزة بفعل آلة الحرب الإسرائيلية إلى “حقل ألغام” مائي يتربص بكل من يحاول انتزاع لقمة عيشه، فإن أرقام الشهداء والجرحى التي تجاوزت المئات في صفوف الصيادين، وتدمير 90% من معداتهم، ليست مجرد إحصائيات عابرة، بل هي حكاية إبادة صامتة لقطاع كان يوماً ما عماد الأمن الغذائي لمليوني إنسان، لكن الصيادين الفلسطينيين يقفون شاهدين على صمود أسطوري، لا يدافعون عن مهنة فحسب، بل عن حق تاريخي ووجودي في بحر بلد ترفض تسليم مفاتيحها للمحتل.
مهند فوزي أبو شمالة/الهدف
