تأتي هذه المقابلة في لحظة تاريخية فارقة تعيد تشكيل وعي المنطقة، حيث تتداخل الحسابات العسكرية بآفاق العقيدة، وتصطدم مشاريع الهيمنة بإرادات المقاومة. ولأن القراءة الرصينة للأحداث تحتاج إلى فكر يجمع بين العمق الأكاديمي والالتزام الميداني، يسعدنا أن نحاور شخصية تجمع بين سداد الرأي وصلابة الموقف؛ الشيخ الدكتور أحمد متعب القطان، رئيس جمعية “قولنا والعمل” والأستاذ المحاضر في الجامعة اللبنانية.
في هذا اللقاء، نغوص مع ضيفنا في ثنايا الصراع القائم، ليس كحدث عابر، بل كمحطة في صراع “الحق والباطل” الممتد. سنناقش أبعاد العقيدة القتالية التي تربك الحسابات التكنولوجية، ودور ولاية الفقيه في رسم مسارات المواجهة، وصولاً إلى استشراف مستقبل المنطقة في ظل استشهاد القادة وصعود معادلات الردع الجديدة.
(الحوار مع جناب الشيخ الدكتور أحمد متعب القطان )
اولاً- من (الزاوية الدينية)، كيف يمكن قراءة هذه الحرب ضمن سياق الصراع بين “الحق والباطل” في الفكر الإسلامي، وهل تمثل إيران اليوم امتدادًا لمعسكر المستضعفين في هذا التصور؟
بسم الله الرحمن الرحيم. في البداية، نحن نعتبر أن الصراع القائم اليوم هو صراع بين الحق والباطل، وهذا الصراع سيبقى إلى قيام يوم الدين، لأن أهل الحق لا بد وأن يُحاربوا ويُواجهوا من أهل الباطل وأهل الظلم، وواجب المظلومين والمستضعفين أن يواجهوا هذا الباطل وهذا الظلم، وإن شاء الله تعالى النصر سيكون حليفاً لهم، الله تعالى قال: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}، فلذلك نحن في هذه المرحلة التي نعيشها، وما تقوم به الجمهورية الإسلامية في إيران، وكل دول المحور، لا سيما لبنان وفلسطين وغزة هاشم، كلنا نواجه الطغاة ونواجه المستكبرين والظالمين، وإن شاء الله سيكون النصر حليفاً لنا بإذن الله عز وجل.
ثانياً- من (الزاوية العقائدية السياسية)، إلى أي مدى تلعب نظرية ولاية الفقيه دورًا في توجيه قرار المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وهل هي عامل تعبئة روحية أم استراتيجية حكم؟
طبعاً، بالنسبة لولاية الفقيه، هذه الولاية هي رؤية دينية وسياسية يلتزم بها الإخوة من المذهب الشيعي، ويعتبرون هذا المرشد عنده ولاية عليهم، ويلتزمون بهذه الولاية لأنها تعتبر أوامر في رضا الله عز وجل وتوجيهات تصب في مصلحة الأمة، وتنطلق من الكتاب والسنة من القرآن الكريم وسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
ثالثاً- من (الزاوية العسكرية)، من منظور عسكري بحت، ما الذي يميز العقيدة القتالية الإيرانية في مواجهة قوى تفوقها تكنولوجيًا مثل الولايات المتحدة وإسرائيل؟
أما الذي يميز العقيدة القتالية الإيرانية في مواجهة قوى تفوقها تكنولوجياً، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والعدو الإسرائيلي، هذا التفوق نحن باعتقادنا يستمد القوة من الإيمان بالله وبرسوله و بأحقية المظلوم في مواجهة الظالم، والتمسك بالأرض والعرض والمقدسات، فوقوف الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى جانب القضية الفلسطينية وإلى جانب المستضعفين على مستوى العالم، أعطى الجمهورية الإسلامية قوة أكبر على مستوى الأمة، وشعر الكثير من المستضعفين والمظلومين أن إيران تقف إلى جانب قضاياهم وتناصر هذه القضايا المحقة، ولذلك نحن نقول هذا الإيمان وهذه العقيدة الراسخة وحب الشهادة في سبيل الله تعالى والدفاع عن الأرض والعرض والمقدسات، كل ذلك جعلها متفوقة.
رابعاً- من ناحية (الردع والتوازن)، هل نجحت إيران في فرض معادلة ردع حقيقية في المنطقة، أم أن المواجهة لا تزال غير متكافئة وتخضع لحسابات أكبر من الطرفين؟
نحن نعتبر أن إيران نجحت في فرض معادلة ردع حقيقية في المنطقة، لأنها أثبتت للحليف وللعدو بأنها استطاعت منذ انتصار الثورة في إيران إلى يومنا هذا أن تُعد العُدة تطبيقاً لقول الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}.
خامساً- موقف (المحور الإقليمي)، كيف تقيّم دور “محور المقاومة” في هذه الحرب؟ وهل نحن أمام جبهة موحدة فعليًا أم تحالف مصالح متغير؟
من خلال سؤالكم، هذه رسالة لكل دولنا العربية والإسلامية أن تحذو حذو إيران في أن تكون قوية عزيزة تواجه الباطل وتواجه الظالم وتواجه المستكبر مهما كانت التضحيات، ونحن على يقين إذا وضعت إيران يدها بيد الدول العربية والإسلامية، وإذا قبل العرب والمسلمون أن يضعوا أيديهم بأيدي إيران، ستكون الأمة أقوى وأقدر على مواجهة الظلم أينما حل وأينما كان، و ستستطيع الانتصار على المستكبرين والطغاة على امتداد العالم.
سادساً- كيف ترى (المستقبل الاستراتيجي)، في حال استمرار التصعيد، ما هي السيناريوهات المحتملة لمستقبل المنطقة؟ هل نتجه نحو حرب شاملة أم نحو توازن طويل الأمد؟

نحن أيضاً على يقين في حال استمرار التصعيد، فإن الحرب الشاملة ستكون هي السبيل الأوحد لمواجهة هذه الغطرسة الصهيو/أمريكية، ونحن نعتقد أن أمريكا وإسرائيل وكل مستكبر في العالم أخذ درساً بالغاً مفاده أنهم لا يستطيعون الانتصار على إيران وعلى محور المقاومة والممانعة، لأنهم لو استطاعوا لذلك لفعلوا، هم كانوا قد وضعوا أهدافاً عالية جداً، أهدافاً سامية، هم أرادوا إسقاط النظام في إيران، أرادوا القضاء على محور المقاومة والممانعة وكل من يواجههم، فوجدوا أن هذا الهدف لم ولن يتحقق بإذن الله تعالى، لذلك بدأت سقوف الأهداف تنحدر من أجل أن يصنعوا لأنفسهم انتصاراً وهمياً، ولكن إن شاء الله تعالى كما قال الله: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}.
سابعاً- كيف ترى (البعد الشعبي والإعلامي)، إلى أي حد نجحت إيران في كسب الرأي العام الإسلامي والعالمي في هذه المواجهة، مقارنة بما تمتلكه الأطراف الأخرى من أدوات إعلامية؟
بالنسبة لنجاح إيران في كسب الرأي العام الإسلامي والعالمي، نحن نقول إن إيران استطاعت أن تكسب رأياً عاماً عالمياً يتعاطف مع مظلوميتها، خاصة أنها ترد العدوان وهي لم تقم بعدوان بالاعتداء على أي دولة أخرى أو حتى على أمريكا وعلى إسرائيل، وإنما هي دافعت عن نفسها وردت العدوان عن بلدها، وهذا أمر مشروع بكل قوانين السماء وقوانين الدنيا أيضاً، فلذلك كثير من الرأي العام العالمي تعاطف معها، باستثناء بعض الدول العربية والإسلامية التي اعتبرت أن استهداف القواعد الأمريكية والإسرائيلية والمصالح الأمريكية والإسرائيلية في بعض الدول العربية والخليجية أنها استهداف للدولة الخليجية أو العربية أو الإسلامية، ولكن أوضحت إيران في أكثر من موقف على لسان كل المسؤولين في إيران أنها لا تريد إلا أفضل العلاقات مع كل الدول الخليجية والدول العربية والإسلامية، ولكن هي فقط تستهدف المصالح الأمريكية والإسرائيلية من باب رد الاعتداءات، أو حتى لأن أمريكا وإسرائيل تستخدم هذه الدول لضرب إيران.
ثامناً- اخيراً (القيادة والشهادة)، بعد استشهاد القائد الأعلى، هل سيؤدي ذلك، الحدث إلى إضعاف المشروع الإيراني أم إلى تحفيز أكبر واستمرار النهج بقوة أشد؟
بالنسبة لاستشهاد القائد الأعلى، نحن طبعاً بشكل عام نتأثر كبشر بموت واستشهاد القادة، ولكن نحن مؤمنون أن الموت هو أمر طبيعي وهو مصير كل حي، الله تعالى قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: {إنك ميت وإنهم ميتون}، والله تعالى قال أيضاً في القرآن الكريم: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم}، إذاً محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مات وهو قدوتنا و أسوتنا وهو قائدنا الأعلى، فكلنا على هذا الطريق، لذلك استشهاد القادة، إن كان الإمام الخامنئي أو السيد حسن نصر الله أو السيد هاشم أو القيادات في فلسطين كإسماعيل هنية والسنوار وغيرهم كثير من الشهداء في محور المقاومة، يزيدون شعب المقاومة وبيئة المقاومة ومؤيدي المقاومة على مستوى العالم إصراراً على مواجهة المستكبرين والظالمين، وتعطي ردة فعل سلبية بالنسبة للعدو، العدو يظن بذلك أنه يخمد هذه النار الموجودة في قلوب المستضعفين والمظلومين، فيجد على العكس تماماً عندما يستشهد القادة يجد أن الإرادة والثبات في المواجهة أكبر من قبل المستضعفين والمظلومين، كما وأننا نزداد قوة ونزداد إصراراً بشهادة قادتنا على مواجهة كل طاغية وكل مستكبر على امتداد العالم.
في ختام هذا الحوار المفعم بالرؤى الاستراتيجية واليقين الإيماني، ندرك مع الشيخ الدكتور أحمد متعب القطان أن المعركة اليوم ليست مجرد فوارق في العتاد أو التكنولوجيا، بل هي معركة إرادات تُصاغ في ميادين الحق و تستمد وقودها من دماء القادة الذين يرحلون مخلفين وراءهم نهجاً لا ينكسر.
لقد وضعنا الشيخ الدكتور القطان أمام صورة بانورامية تدمج بين “فقه المقاومة” و”واقعية الميدان”، مؤكداً أن الاستهدافات مهما عظمت لا تزيد هذا المحور إلا استشراساً وتمسكاً بالمقدسات، يبقى السؤال مفتوحاً على آفاق المستقبل، لكن المؤكد كما إستشففنا من حديثه أن المنطقة لن تعود إلى ما قبل معادلات الردع الحالية، وأن صوت المستضعفين قد بات اليوم يمتلك من القوة ما يُرغم العالم على الإنصات.