توضيحات مفاهمية سياسية هامة
جعفر التونسي
كثيرًا ما يقع خلط غير دقيق بين مفاهيم مثل المحافظة، والتقليدية، والرجعية، وهو خلط يفتقر إلى الصرامة العلمية ويؤدي في كثير من الأحيان إلى مغالطات منهجية تُضعف التحليل السياسي والاجتماعي. لذلك، يصبح من الضروري تفكيك هذه المفاهيم وإدراك طابعها السياقي، بدل التعامل معها كتصنيفات ثابتة أو جوهرية.
في هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى المحافظة بوصفها موقفًا أيديولوجيًا جامدًا، بل هي موقف يتحدد أساسًا بالعلاقة مع التغيير. فقد يكون الفاعل محافظًا في سياق معين حين يدافع عن مكتسبات تاريخية سابقة، لكنه قد يُصنّف رجعيًا في سياق آخر إذا عارض تحولات تاريخية ضرورية. وعليه، فالمحافظة ليست نقيضًا مطلقًا للتقدمية، بل قد تتقاطع معها في ظروف محددة.
أما التقليدية، فهي ترتبط بالهوية الثقافية والقيم الاجتماعية، ولا تستبطن بالضرورة موقفًا سياسيًا محافظًا أو رجعيًا. فقد شهد التاريخ حركات ثورية وتحررية احتفظت بجوانب تقليدية في بنيتها الاجتماعية أو الثقافية، دون أن يتناقض ذلك مع دورها التقدمي في الصراع السياسي أو الاقتصادي.
في المقابل، تُعرَّف الرجعية باعتبارها موقفًا نشطًا مضادًا للتحول التاريخي، يسعى إلى إجهاض التغيير أو إعادة إنتاج أنماط سابقة من الهيمنة والامتياز. فهي ليست مجرد محافظة، بل تتجاوزها إلى تبني موقف عدائي تجاه التحولات التي تهدد بنية السلطة القائمة.
تُظهر الأمثلة التاريخية هذا التعقيد بوضوح؛ فقد نجد حركات أو تيارات ثورية تحتفظ ببعض القيم التقليدية، أو أنظمة ليبرالية تتبنى سياسات قمعية تجاه الحركات العمالية أو التحررية، ما يكشف أن التصنيفات الأيديولوجية لا تكفي وحدها لتحديد الموقع الفعلي لأي فاعل في سياق الصراع.
في لحظات التحول الكبرى، كالثورات، تتبلور خطوط الفرز بشكل أكثر حدة. إذ يصبح التمييز الأساسي بين قوى تدعم التغيير الجذري وأخرى تسعى إلى إعاقته أو التراجع عنه. في هذا السياق، قد ينحاز المحافظ إلى جانب التغيير دفاعًا عن مكتسبات أو آفاق مستقبلية، أو يتحول إلى قوة رجعية إذا تموضع ضد مسار التاريخ.
غير أن الانتماء إلى مرجعية فكرية تُوصَف بالتقدمية لا يشكل، في حد ذاته، حصانة سياسية. فالتفكير الذي يُفترض أنه تحرري قد يتحول، في شروط معينة، إلى أداة لتكريس الهيمنة، إذا ما جرى توظيفه بشكل انتقائي يخدم مصالح ضيقة أو سلطوية. إن تجاهل التناقض بوصفه عنصرًا جوهريًا في الواقع الاجتماعي يقود إلى اختزال ساذج، يفترض ثبات الهويات الفكرية وعدم قابليتها للانحراف أو التوظيف.
في هذا السياق، يُبرز أنطونيو غرامشي (1) هذه الجدلية حين يشير إلى أن طبقة ما قد تعبر عن وضع تاريخي متقدم رغم تخلف بعض جوانب وعيها الأيديولوجي، وهو ما يعكس التباين بين الدور الموضوعي والمستوى الفكري الذاتي.
انطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن التقدمية ليست صفة ثابتة، بل هي وظيفة تاريخية تتحدد بالممارسة الفعلية داخل سياق معين. فقد يتبنى فاعل ما خطابًا تقدميًا، لكنه يؤدي دورًا سلبيًا أو حتى معيقًا لمسار التغيير، في حين قد تضطلع قوى أخرى، رغم طابعها المحافظ أو التقليدي، بدور موضوعي تقدمي إذا أسهمت في مواجهة أشكال الهيمنة، خاصة في بعدها الاقتصادي أو الإمبريالي.
في عالمنا المعاصر، تبرز هذه الإشكالية بوضوح، حيث نجد تنظيمات أو حركات تحمل توجهات اجتماعية/ثقافية محافظة أو حتى تُتَّهَم بالرجعية بحجج معقولة، لكنها في الآن ذاته تلعب دورًا فاعلًا في مقاومة الهيمنة العالمية أو في إحداث تحولات مادية ملموسة… ما هو تقدمي اكثر من لمس الامبريالية في وترها الحساس (التجارة العالمية كذكر)؟
في المقابل، قد تتبنى قوى أخرى خطابًا تقدميًا، لكنها تظل عاجزة عن التأثير الفعلي، أو تكتفي بمواقف رمزية لا تنعكس في الواقع.
وعليه، فإن تقييم الفاعلين السياسيين لا ينبغي أن يُبنى فقط على تصنيفاتهم المرجعية، بل على دورهم الفعلي في الصراع التاريخي، ومدى إسهامهم في دفع أو عرقلة مسارات التغيير.
هذا ليس انكارا لتقدمية بعض المنظمات بل انتقادا لعدم اكتراثهم بالممارسة الفعلية (Praxis). لأن التقدمي الحقيقي ليس فقط تقدمي في مرجعيته بل في دوره في مسار التاريخ.
