في واحدة من أكثر صور الغياب قسوة، تتجسّد حكاية الاعتقال الإداري لا كإجراء قانوني فحسب، بل كواقع إنساني يثقل كاهل العائلات ويمزّق تفاصيلها اليومية. فحين يُغيَّب الأبوان معًا خلف القضبان، لا يبقى الأسر حبيس الزنازين فقط، بل يمتد ليحاصر طفولة تُحرم من دفء الحضور، ويترك أسئلة مفتوحة حول مصير عائلة تُدار حياتها بالانتظار.

في هذا السياق، تبرز قصة الأسيرين الزوجين مصعب وأسيل مليطات، اللذين غيّبهما الاعتقال الإداري عن طفلتهما، في ظل ظروف اعتقال قاسية، لتتحول حياتهما إلى معاناة مركّبة بين ألم الاحتجاز ووجع الفقد العائلي.

حين يجتمع الأسر والغياب، لا تكون الحكاية مجرد عنوان، بل واقعًا يوميًا تعيشه أسرة كاملة، تتقاسم الألم بين جدران السجن وبيوت أنهكها الانتظار.

وتزامنًا مع يوم الأسير، تحدثت قريبة الأسيرة أسيل، سعاد مليطات، لـ”قدس برس” في حوار خاص، والتي نقلت خلالها تفاصيل مقلقة حول أوضاع الزوجين، استنادًا إلى ما أبلغه المحامون خلال زياراتهم الأخيرة، مشيرة إلى تدهور حالتهما الصحية والإنسانية داخل السجون.

وفيما يتعلق بالأسيرة أسيل، بيّنت أنه تم اعتقالها عند حاجز “بيت فوريك”، بعد احتجازها لأربع ساعات، قبل أن يصدر بحقها قرار اعتقال إداري جرى تجديده ثلاث مرات متتالية، لافتة إلى أن أوضاعها الصحية شهدت تدهورًا ملحوظًا، إذ فقدت نحو 33 كيلوغرامًا من وزنها، وفق آخر المعلومات التي وردت قبل شهر رمضان.

كما أشارت إلى أن أسيل تعاني من مشاكل صحية في قدمها اليمنى، يُرجّح أنها ناتجة عن تلف أو التهابات في الأوتار، في ظل غياب العلاج المناسب، إضافة إلى إصابتها بكسر سابق في قدمها، ما فاقم من صعوبة حالتها الصحية.

وكشفت كذلك عن تعرضها لاعتداء خلال عملية قمع داخل السجن في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، حيث أُطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع، ما أدى إلى سقوطها أرضًا وعدم قدرتها على النهوض، قبل أن تتعرض للضرب وتُجرّ من شعرها، وتُفرض عليها لاحقًا عقوبات إضافية.

وفي سياق متصل، تطرقت سعاد مليطات إلى ظروف اعتقال الأسير مصعب، مشيرة إلى أنه أُعيد اعتقاله من منزله بعد خمسة أشهر فقط من الإفراج عنه، رغم أنه كان قد أمضى سابقًا حكمًا بالسجن لمدة عامين ونصف، ليُفاجأ لاحقًا بصدور أمر اعتقال إداري بحقه لمدة ستة أشهر، يتم تجديده بشكل متكرر.

وأوضحت أن مصعب يعاني من مرض جلدي حاد (سكابيوس)، دون أن يتلقى أي علاج أو حتى مسكنات للألم، رغم حاجته الماسة للرعاية الطبية. كما يعاني من إصابة في القدم تحتوي على “بلاتين”، ما يزيد من معاناته في ظل الإهمال الطبي المستمر.

وتطرقت إلى الظروف المعيشية القاسية داخل السجون، حيث يعاني الأسرى من سوء جودة الطعام، ويُسمح لكل أسير بامتلاك بطانية واحدة فقط وزوج من الجوارب وبدلة غيار واحدة، رغم برودة الشتاء. كما أشارت إلى أن مدة “الفورة” (الاستراحة اليومية) محدودة جدًا، ولا تتجاوز مرة واحدة أسبوعيًا.

وأضافت أن إدارة السجون صادرت مواد التنظيف وماكينات الحلاقة الخاصة بالأسرى، ما زاد من صعوبة الحياة اليومية داخل المعتقلات.

وفي ختام حديثها، وجهت مليطات نداءً عاجلًا إلى المؤسسات الدولية والحقوقية، دعت فيه إلى التحرك الفوري لإنقاذ الأسرى، والعمل على وقف ما وصفته بـ”سياسات الإعدام البطيء” بحقهم، مؤكدة تطلع العائلات إلى استئناف زيارات أبنائها والاطمئنان عليهم.

يُشار إلى أن الأسيرة أسيل مليطات اعتُقلت في الثالث من حزيران/يونيو 2025 أثناء مرورها عبر حاجز بيت فوريك شرق نابلس، حيث جرى احتجازها ونقلها إلى جهة غير معلومة قبل تثبيت اعتقالها لاحقًا.

أما زوجها، الأسير المحرر مصعب مليطات، فقد أُعيد اعتقاله فجر 21 أيلول/سبتمبر 2025، بعد اقتحام منزله في بلدة بيت فوريك شرق نابلس، وذلك بعد أشهر قليلة فقط من الإفراج عنه من سجون الاحتلال.

كما يُشار إلى أن مصعب مليطات أسير سابق أمضى سنوات في سجون الاحتلال، وتعرض للاعتقال أكثر من مرة، في سياق سياسة تستهدف الأسرى المحررين بإعادة اعتقالهم.

وباعتقال الزوجين معًا، تُركت طفلتهما وحيدة في مواجهة غياب مزدوج، في صورة تعكس الأثر الإنساني العميق لسياسات الاعتقال الإداري على البنية العائلية الفلسطينية.

ويُعدّ الاعتقال الإداري أحد أبرز السياسات التي تعتمدها سلطات الاحتلال، إذ يتيح احتجاز الأفراد لفترات غير محددة دون توجيه تهم رسمية أو عرضهم على محاكمة علنية، استنادًا إلى ما يُعرف بـ”ملف سري” الذي لا يُتاح للمعتقل أو محاميه الاطلاع عليه.

ويصدر قرار الاعتقال الإداري عادة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، قابلة للتجديد مرات غير محدودة، ما يجعل المعتقل عرضة للاحتجاز لفترات طويلة دون سقف زمني واضح. وتستند هذه السياسة إلى أوامر عسكرية، وسط انتقادات واسعة من مؤسسات حقوقية دولية، التي تعتبرها انتهاكًا لمبادئ المحاكمة العادلة والضمانات القانونية الأساسية.

كما يُحرم المعتقلون إداريًا في كثير من الأحيان من حقوق أساسية، من بينها معرفة التهم الموجهة إليهم أو تقديم دفاع فعّال، ما يحوّل الاعتقال إلى حالة من “اللايقين” المستمر، ليس فقط للمعتقلين، بل لعائلاتهم أيضًا.

وتؤكد مؤسسات حقوقية أن استخدام الاعتقال الإداري شهد تصاعدًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، ليطال فئات مختلفة من المجتمع، من بينهم طلبة، وأسرى محررون، ونساء، في إطار سياسة يُنظر إليها على أنها أداة للسيطرة والردع، أكثر من كونها إجراءً قانونيًا استثنائيًا.