حين تكشف الأرض أسرارها: غزة التي تبتلع أبناءها وتعيدهم شهوداً على الجريمة
د.نبيلة عفيف غصن
في لحظة تختصر مأساة غزة كلّها، لم تكن الأرض التي ضربها النازح لتثبيت خيمته مجرّد ترابٍ صامت، بل كانت ذاكرةً مثقلةً بما لا يُحتمل. ضربة وتدٍ عابرة تحوّلت إلى فتح جرحٍ دفين، لتخرج الحقيقة من باطن الأرض لا كخبر، بل كصرخة مدوّية: هنا يُدفن الناس بلا وداع، وهنا تتحوّل الحياة إلى بحثٍ دائم عن أثر.
ما جرى غربي خانيونس ليس حادثة فردية، بل صورة مكثّفة عن واقعٍ تجاوز حدود الكارثة إلى ما يشبه الإبادة الصامتة للذاكرة. فالنازح الذي كان يبحث عن مأوى، وجد نفسه أمام بقايا إنسان—رفات، ملابس، وهاتف صامت—كأنها شواهد جنائية لمسرح جريمة مفتوح على السماء. لم يكن أمامه إلا أن يستدعي الجهات المختصة، لكن الحقيقة التي تكشّفت لاحقاً كانت أثقل من أن تُحتمل: الرفات تعود لوالد الصحفي محمد الحداد، بعد أكثر من عامين وثلاثة أشهر من الغياب القاسي.
الغياب في غزة ليس غياباً… بل انتظار معلّق بين الحياة والموت
في أي مكان آخر، يُقاس الفقد بلحظة إعلان الوفاة. أما في غزة، فالفقد يتحوّل إلى زمنٍ ممتد، إلى انتظارٍ يتآكل فيه الأمل يوماً بعد يوم. عائلات بأكملها تعيش في حالة “تعليق وجودي”، لا تعرف إن كانت تبكي موتاها أم تنتظر عودتهم. وهذه الحادثة تكشف بوضوح أن المأساة لا تنتهي عند القصف، بل تبدأ بعده—حين يغيب الجسد، وتبقى الروح معلّقة في قلوب أحبّتها.
إن العثور على الرفات بعد كل هذه المدة ليس خاتمة، بل بداية مواجهة جديدة: مواجهة الحقيقة. فالموت المؤجّل أقسى من الموت نفسه، لأنه يسرق من الإنسان حق الحداد، ويحرمه من طقس الوداع، ويحوّل الزمن إلى عبء ثقيل.
الأرض كشاهد اتهام: حين تصبح الجغرافيا وثيقة إدانة
ليست هذه الأرض مجرد مساحة جغرافية، بل تحوّلت إلى أرشيف حيّ للجرائم. كل شبرٍ فيها قد يخفي قصة، وكل حفرة قد تكون قبراً بلا شاهد. ما تكشفه هذه الحادثة هو أن ما يُرتكب في غزة لا يُمحى، حتى لو طُمر تحت الركام. الأرض نفسها ترفض أن تصمت، وتعيد إخراج الحقيقة ولو بعد حين.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن “الأضرار الجانبية” أو “العمليات العسكرية” نوعاً من التواطؤ اللغوي. لأن ما يجري يتجاوز الحرب إلى استهداف ممنهج للإنسان، جسداً وذاكرةً. فحين يُدفن إنسان دون أن يُعرف مصيره لسنوات، ثم يُكتشف صدفة تحت خيمة نازح، فإننا أمام واقع يُفكك أبسط معاني الكرامة الإنسانية.
الصحفي الذي يغطي الألم… ويصطدم به في بيته
لعل أكثر ما يضاعف قسوة هذه الحادثة هو بعدها الشخصي. فالضحية ليس مجرد اسم، بل والد صحفي، أي والد من يعيش يومياً في قلب المأساة، يوثّقها وينقلها للعالم. هنا، تنهار المسافة بين “الخبر” و”الحياة”، بين “التغطية” و”الوجع الشخصي”. يصبح الصحفي نفسه جزءاً من القصة التي يرويها، لا شاهداً عليها فقط.
وهذا يكشف بُعداً آخر من المأساة: في غزة، لا أحد خارج الحدث. الجميع مستهدفون بطريقة أو بأخرى—إما بالجسد، أو بالفقد، أو بالانتظار.
غزة: حيث تتحوّل الصدفة إلى قدر
الصدفة التي قادت إلى هذا الاكتشاف ليست بريئة، بل هي انعكاس لواقع مشوّه، حيث يصبح العثور على رفات إنسان أمراً وارداً في أي لحظة. في أماكن أخرى، تُكتشف الكنوز تحت الأرض؛ أما في غزة، فتُكتشف المآسي.
هذه المفارقة تختصر حجم الانهيار الإنساني: حين يصبح الموت جزءاً من الحياة اليومية، وحين يتحوّل البحث عن مأوى إلى مواجهة مباشرة مع آثار الفقد.
خاتمة: الرفات التي تتكلم… والضمير الغائب
ليست هذه الحادثة مجرد قصة حزينة تُروى، بل وثيقة حيّة يجب أن تُقرأ سياسياً وأخلاقياً. إنها تضع العالم أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: كم من القصص المدفونة ما زالت تنتظر أن تُكتشف؟ وكم من العائلات تعيش على أملٍ قد يتحوّل في أي لحظة إلى صدمة مماثلة؟
الرفات التي عُثر عليها ليست صامتة. إنها تتكلم، تتهم، وتكشف. لكن المشكلة ليست في غياب الأدلة، بل في غياب الإرادة لمحاسبة الجريمة.
غزة لا تحتاج فقط إلى تعاطف، بل إلى موقف. لأن الأرض التي تُعيد أبناءها بهذه الطريقة، إنما تفعل ذلك لتقول شيئاً واضحاً: الحقيقة لا تُدفن، حتى لو دُفن أصحابها.
