د. نبيلة عفيف غصن

يتجادل النص حول تحول دول المنطقة إلى “دول وظيفية” تُعيد صياغتها لتخدم مصالح خارجية بدلاً من حماية سيادتها. في سوريا، تتحول أجهزة الدولة في القنيطرة إلى أدوات لمنع الرد على العدوان الإسرائيلي، بينما يشهد لبنان مساعٍ تحت ذرائع قانونية لضبط السلاح وتطبيق القرار 1701، مما يُصعّب على المواطنين الوصول إلى خطوط المواجهة.

يرى الكاتب أن هذه الممارسات، سواء في دمشق أو بيروت، تهدف إلى إعادة هندسة الصراع بفرض معادلة غير متكافئة: دولة تُمنع من الفعل العسكري الدفاعي وتُقتصر وظيفتها على إدارة الهدوء ومراقبة الحدود وفق شروط مفروضة، مما يحوّل القانون من أداة سيادية إلى قيد يثبّت الواقع ويُجمّد الجبهات لصالح طرف آخر.

من القنيطرة إلى بيروت: حين تتحوّل الدولة إلى وظيفة… ويُعاد رسم الصراع في الظلام

يعد ما يجري في المنطقة سلسلة أحداث منفصلة، بل مشهد واحد تتكامل فيه الأدوار بصمت.خبرٌ عن اعتقال مجموعة في القنيطرة بعد استهداف طائرة إسرائيلية، يقابله في لبنان مسار متسارع نحو “ضبط الجنوب” تحت عناوين الاستقرار وتطبيق القرارات الدولية.

وبين الحدثين، يبرز خيط واضح لا يمكن تجاهله: إعادة تعريف دور الدولة من حامية للسيادة إلى أداة لضبطها وفق ميزان مفروض من الخارج.

سوريا: من مواجهة العدوان إلى ملاحقة من يردّ عليه

في القنيطرة، تُعتقل مجموعة لأنها أطلقت صاروخاً على طائرة كانت تشارك في قصف المنطقة.

المفارقة الصادمة ليست في الحدث بحد ذاته، بل في توصيفه: الفعل المقاوم يُقدَّم كخرق أمني، فيما العدوان يتحوّل إلى واقع قائم لا يُمس.هنا يحدث الانقلاب الحقيقي في المعادلة:لم يعد السؤال كيف يُردّ على الاعتداء، بل كيف يُمنع الردّ عليه.بهذا المعنى، تتحوّل أجهزة الدولة إلى أدوات ضبط للاشتباك، مهمتها الأساسية منع أي فعل قد يخلّ بـ“الاستقرار”، حتى لو كان هذا الفعل دفاعياً.

وهذا هو جوهر “الدولة الوظيفية”: دولة لا تُنتج سيادتها، بل تُدير حدودها بما يتناسب مع توازنات مفروضة عليها.

لبنان: المسار نفسه…

بلغة قانونيةفي بيروت، لا يُقال الأمر بهذه الصراحة، لكن الاتجاه يسير في المسار ذاته، وإن بلباس مختلف.العناوين هنا أكثر نعومة:تطبيق القرار 1701،حصرية السلاح،بسط سلطة الدولة.

لكن خلف هذه المفردات، يبرز سؤال حاسم:هل يُبنى هذا المسار لتعزيز قدرة الدولة على حماية نفسها، أم لتفكيك عناصر القوة القائمة من دون بديل فعلي؟

حين يُلاحَق من يتجه إلى الجبهةفي هذا السياق، تبرز وقائع مقلقة من الداخل اللبناني، حيث سُجّلت حالات توقيف لأفراد على خلفية حيازة سلاح أو أثناء توجههم نحو الجنوب، في لحظة يُفترض أنها لحظة مواجهة مفتوحة مع العدو.قد يُقال إن هذه الإجراءات تندرج ضمن “تطبيق القانون”، لكن التوقيت والسياق يفرضان تساؤلاً لا يمكن تجاهله:كيف تُقفل الطرق أمام من يتجهون إلى مناطق المواجهة، فيما تبقى الأجواء مفتوحة أمام الغارات؟المشكلة هنا لا تكمن فقط في الإجراء، بل في اختلال الأولويات.

عندما تُختزل وظيفة الدولة في ضبط الداخل، من دون قدرة موازية على ردع الخارج، يتحوّل القانون من أداة تنظيم إلى أداة تقييد في لحظة سيادية حساسة.

إعادة هندسة الصراع: من يملك حق الفعل؟

ما يجمع بين المشهدين السوري واللبناني هو محاولة فرض معادلة جديدة:طرف يمتلك حق الفعل العسكري،وطرف آخر يُسمح له فقط بإدارة ردود الفعل أو منعها.بهذه الطريقة، لا ينتهي الصراع، بل يُعاد تشكيله بشكل غير متكافئ.يُطلب من الدول أن تضبط ساحاتها، لا أن تحميها؛ وأن تمنع التصعيد، لا أن تردع العدوان.

التدرّج الصامت: كيف تُبنى الدولة الوظيفية؟

هذا التحوّل لا يحدث بقرار واحد، بل عبر مسار تراكمي:ملاحقة أي فعل خارج الإطار الرسمي،توسيع دور الأجهزة الأمنية في “منع الاحتكاك”،تثبيت قنوات تنسيق غير مباشرة،ثم تكريس واقع جديد يصبح هو “الطبيعي”.ومع الوقت، يُعاد تعريف أي خروج عن هذا الواقع كتهديد للاستقرار، لا كفعل مقاومة.

من القنيطرة إلى الجنوب: وحدة المشروعما جرى في القنيطرة ليس حادثة معزولة، وما يحدث في لبنان ليس مجرد سياسة داخلية.

نحن أمام اتجاه إقليمي يسعى إلى:ضبط الحدود،تجميد الجبهات،وإعادة توزيع الأدوار بما يضمن هدوءاً طويل الأمد… لكن بشروط غير متوازنة.

هدوءٌ لا يعني سلاماً، بل تثبيت ميزان قوة مختلّ.الخلاصة: السيادة ليست إجراءً أمنياًالدولة التي تُختزل مهمتها في “منع التصعيد” فقط، تتحوّل تدريجياً إلى حارس لواقع مفروض، لا صانعة لقرارها.

والسياسة التي تكتفي بإدارة الأمن من دون امتلاك عناصر القوة، تنتهي إلى تثبيت الضعف بدل معالجته.المعركة اليوم لم تعد فقط على الحدود، بل على تعريف الدولة نفسها:هل هي سلطة تُدير الاستقرار وفق شروط الآخرين،أم كيان سيادي يملك حق الدفاع وتحديد قواعد الاشتباك؟

ما يجري ليس تفصيلاً عابراً، بل مسار يُرسم بهدوء.ومن لا يقرأه الآن، قد يجد نفسه لاحقاً أمام واقعٍ كُتب… دون أن يُؤخذ رأيه.