بقلم سالم أيوب – كاتب وصحفي سابق
في 2020، لم يكن العالم بحاجة إلى تفسير طويل.كان الخوف واضحاً، والعدو غير مرئي، والتعليمات بسيطة: ابقَ في المنزل، اغسل يديك، وانتظر اللقاح.كان الإغلاق حينها فعلاً دفاعياً… محاولة لحماية الحياة.
في 2026، يبدو أن العالم أتقن الإغلاق… لكنه نسي لماذا بدأه أصلاً.لم تعد الأبواب تُغلق لحماية الإنسان، بل لإعادة ترتيب الخرائط.لم يعد الحجر قراراً صحياً، بل تحوّل إلى أداة سياسية، تُفرض على الدول كما فُرضت يوماً على الأفراد.الفرق الوحيد أن الجدران هذه المرة ليست من إسمنت… بل من نار.
في كورونا، كنا نتابع عدد الإصابات. اليوم، نتابع عدد الجبهات.كل صباح يحمل تحديثاً جديداً، ليس عن متحوّر بيولوجي، بل عن “متحوّر جيوسياسي”: جنوب يشتعل، بحر يُهدد، حدود تتوتر. وكأن العالم انتقل من عدوى تنتشر بين الأجساد… إلى عدوى تنتشر بين الخرائط.
المشكلة لم تعد في معرفة العدو. المشكلة في أن قائمة الأعداء نفسها لم تعد ثابتة.لم يعد من السهل الحديث عن السياسة بلغة تقليدية. هناك شيء تغيّر في طبيعة القرار ذاته. شخصيات مثل دونالد ترامب لم تعد مجرد فاعل سياسي ضمن نظام، بل أصبحت جزءاً من “حالة” أوسع: حالة تُسرّع الأحداث، تختصر المسافات بين التهديد والتنفيذ، وتحوّل التوتر إلى عرض مفتوح.
إذا كان كورونا ينتشر عبر الهواء، فإن “ترامبرونا” ينتشر عبر الخطاب.جملة واحدة قد تفتح جبهة، وتصريح واحد قد يغلق أفقاً كاملاً.
في هذا المشهد، لم تعد الجبهات مجرد مواقع جغرافية، بل أشبه بمتحوّرات تتكاثر:
. في الجنوب، يتحرك حزب الله كاختبار دائم لحدود الاشتباك، لا كطرف تقليدي في حرب.
. وفي البحر، يعيد الحوثي تعريف معنى السيطرة، ليس عبر احتلال الأرض، بل عبر تعطيل الشرايين.
. أما في العراق، فيبقى الحشد الشعبي حالة ضغط مستمر، لا تنفجر بالكامل ولا تهدأ بالكامل.
كلما ظن العالم أنه “احتوى العدوى”… ظهرت جبهة جديدة.الإغلاق لم يعد ما كان عليه.في 2020، أُغلقت المطارات، وتوقفت المدارس، وخفتت المدن.
في 2026، تُغلق المضائق، وتُهدد الأجواء، وتُحبس الأسواق داخل توقعات الحرب.كان الإغلاق سابقاً خوفاً على الإنسان.أما الآن، فهو إدارة لخوف الدول من بعضها.الإعلام أيضًا تعلّم دوره الجديد.في كورونا، كان يضخ الأرقام لنخاف.اليوم، يضخ الصور لنعتاد.التحول لم يكن في المعلومة… بل في الإحساس.من صدمة أولى… إلى اعتياد بطيء، يجعل ما كان استثنائياً يبدو وكأنه طبيعي.
الاقتصاد، كعادته، لا يصرخ… لكنه يشعر بكل شيء.النفط صار درجة حرارة، ترتفع مع كل توتر.المضائق صارت شرايين، يكفي أن تُضغط قليلاً ليشعر العالم كله بالاختناق.والأسواق لم تعد تخاف من الانهيار بقدر ما تخاف من المجهول.هناك فكرة أكثر عمقاً تتشكل بهدوء:بعض القوى التي يُراد احتواؤها… لا تنكمش، بل تنتشر.
كل ضربة لا تُنهي التوتر، بل تعيد توزيعه.كل محاولة للسيطرة تخلق مساحة جديدة للفوضى.وكأننا أمام نظام لا يُنتج الاستقرار… بل يُعيد تدوير القلق.في 2020، كنا ننتظر اللقاح.كان هناك إيمان، ولو هش، بأن الأزمة مؤقتة، وأن العالم سيجد طريقه للخروج.
في 2026، لا أحد يتحدث عن علاج.لأن ما نعيشه لم يعد طارئاً يمكن احتواؤه…بل أصبح جزءاً من النظام نفسه.بين كورونا و”ترامبرونا”، لم يتغير العالم بقدر ما كشف عن طبيعته.في الأولى، خفنا من لمس الآخرين.في الثانية، نخاف من اقتراب الدول من بعضها.وبين الفيروس والصاروخ…يبدو أن العالم لن يتعافَ أبداً.
