ما وراء الضجيج: كيف تُدار الحروب الكبرى بعقول خفية لا تراها الشعوب؟

بقلم:فاتنة علي،لبنان/سوريا الطبيعية

في خضم التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط، يبرز سؤال جوهري يتكرر بصيغ مختلفة:
هل ما يحدث مجرد صراع تقليدي بين دول، أم أننا أمام مشهد أكبر بكثير تُدار خيوطه بعناية من خلف الستار؟
لفهم ذلك، لا بد من تفكيك المشهد إلى مكوناته الأساسية، بعيداً عن السرديات السطحية التي استهلكتها الجماهير، والتي وقعت – في كثير من الأحيان – ضحية ما يمكن وصفه بـ”الحروب الناعمة” و”الهجينة” التي تستهدف الوعي قبل الجغرافيا.

عند الحديث عن سلوك بنيامين نتنياهو، لا يمكن اختزاله في ردود أفعال آنية، بل يجب قراءته ضمن سياق أوسع من إعادة تشكيل المنطقة.
التصعيد تجاه إيران لم يكن وليد اللحظة، بل هو مسار متدرج تزامن مع إعادة توجيه الرأي العام العالمي والإقليمي، بحيث تتحول إيران إلى “العدو الأول”، متقدمة حتى على قضايا تاريخية في المنطقة.
هذا التحول لم يكن عفوياً، بل جاء نتيجة تراكم إعلامي وسياسي طويل، مهّد نفسياً لتقبل فكرة الحرب.

بعد أحداث “الطوفان”، تسارعت وتيرة التجييش، وبدأ الحديث يتصاعد حول ضرورة مواجهة إيران عسكرياً، لكن اللافت أن هذا التصعيد لم يصل إلى الحرب الشاملة.
ما نشهده، وفق هذا التصور، ليس الحرب الكبرى، بل تهيئة الأرضية لها.
وفي هذا السياق، ظهرت ملفات حساسة مثل قضية جيفري إبستين، والتي تم توظيفها سياسياً في لحظات مفصلية، ما يعكس استخدام أدوات غير تقليدية في الضغط وإعادة توجيه القرار.

سيناريو الحرب… كما يُراد لها أن تكون

إذا ما تم الدفع نحو حرب تقودها الولايات المتحدة ضد إيران، فإن السيناريو المتوقع – وفق هذا الطرح – يتلخص في:
استنزاف إيران عبر ضربات مباشرة
رد إيراني يستهدف القواعد الأمريكية في الخليج
انتقال المواجهة إلى عمق المنطقة، بما يهدد البنية الاقتصادية لدول الخليج
وهنا تبرز إشكالية جوهرية:
القواعد التي يُفترض أنها للحماية، قد تتحول إلى نقاط اشتعال.

الخليج بين القوة والوهم

رغم الطفرة الاقتصادية، لم يتم – وفق هذا المنظور – بناء منظومة دفاع مستقلة بالكامل، بل تم الاعتماد على مظلة الحماية الخارجية ( الوهمية )

هذا الاعتماد خلق حالة من “الأمان المشروط”، حيث تصبح أدوات الدفاع نفسها جزءاً من معادلة أكبر تُدار من الخارج.

وبعيداً عن الشعارات، يبرز عامل الطاقة كأحد المحركات الأساسية للصراع.
الاحتياطات الموجودة في شرق المتوسط، خصوصاً قبالة سواحل:
لبنان
سوريا
فلسطين
تمثل محور تنافس استراتيجي.
وفي هذا السياق، يمكن فهم:
الحضور الأوروبي في قبرص
والتمركز الروسي في الساحل السوري
كجزء من سباق تأمين خطوط الطاقة نحو أوروبا.
وقد أشار عدد من المسؤولين الغربيين، من بينهم وزراء دفاع أمريكيون سابقون، إلى أن أمن الطاقة في شرق المتوسط أصبح جزءاً من الأمن القومي الغربي، وهو تصريح ينسجم مع هذا الاتجاه.

كردستان… الممر البديل
يُطرح مشروع كردستان، ضمن هذا التصور، كحل جيوسياسي لتأمين مسارات بديلة للطاقة نحو أوروبا، خاصة في ظل السعي لتقليل الاعتماد على روسيا.
يمتد هذا الخط – نظرياً – من شمال العراق، مروراً بسوريا، وصولاً إلى السواحل، ليشكل شرياناً حيوياً جديداً.

ما يتم العمل عليه هو إعادة تشكيل المنطقة عبر التفكيك
لا يتوقف المشهد عند الصراع العسكري، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والسياسية للمنطقة.
من أبرز الأدوات:
تأجيج الانقسام السني–الشيعي
خلق انقسامات داخل المكون الواحد
استخدام منصات مثل فيسبوك وتيك توك كوسائل تأثير نفسي
وقد حذر مسؤولون أمريكيون، من بينهم وزراء خارجية سابقون، من “حروب المعلومات” التي تستهدف المجتمعات من الداخل، وهو ما يعزز هذا الطرح.

ما بعد إيران… من التالي؟
في هذا السياق، تبرز تصريحات بنيامين نتنياهو حول تفكيك المحور السني بعد المحور الشيعي في المنطقة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول المرحلة التالية.
وفق هذا التصور:
بعد المحور الشيعي
يأتي دور قوى إقليمية كبرى مثل تركيا ومصر
بهدف إعادة رسم ميزان القوى بالكامل.

ما يبدو على السطح صراعاً متعدد الأطراف، قد يكون – في عمقه – انعكاساً لإدارة أكثر تعقيداً، تُستخدم فيها أدوات متعددة: عسكرية، إعلامية، اقتصادية، ونفسية.
السؤال لم يعد: من يحارب من؟
بل: من يدير هذا الصراع… ولماذا؟
الجواب يعلمه المؤمنون .

بالمحصلة ليست الحروب الكبرى تلك التي تُعلن، بل تلك التي تُدار بصمت… حيث يظن الجميع أنهم لاعبون، بينما هم في الحقيقة قطع على رقعة واحدة يديرها عقل واحد.
فهل هذا سبب استخدام ارضية الشطرنج في كثير من الأحيان لغزو العقل الباطن ؟؟
في الرموز توجد الخفايا العميقة .

ملاحظة: سيتفاجئ العالم بأن إيران الوحيدة هي من رفضت أن تقبل بدور البيدق وفهمها أحرار فاتبعوها.