في كلّ مرّة يُطرح فيها السؤال: «هل لإسرائيل أطماع في لبنان؟» يبدو كأنّنا أمام نكتة سيّئة التوقيت، أو أمام محاولة لإقناع السمك بأنّ الماء مجرّد إشاعة. فجأة يصبح التاريخ تفصيلاً، والجغرافيا رأياً، والوقائع مجرّد وجهة نظر قابلة للنقاش على طاولة “الحياد”.
لنبدأ من حيث يحبّ البعض أن ينتهي: لا أطماع. حسناً، كيان قام على اقتلاع شعب كامل، وتوسّع بالحروب، واحتلّ عواصم، وفرض وقائع بالقوّة، واستولى على أراضٍ خارج “حدوده” المعترف بها دولياً… قرّر فجأة أن يصبح كائناً مسالماً، نباتياً، لا يشتهي سوى الأمن والهدوء. معجزة جيو-سياسية تستحقّ جائزة في الخيال العلمي أو في استديوهات هوليود.
لكن الأرض أكثر وقاحة من الخطابات. لماذا الضغط على محاور مثل الخيام والطيبة؟ لأنّ الجغرافيا لا تكذب. القرب من نهر الليطاني ليس تفصيلاً، بل هو عنوان تاريخي لمشروع لم يُخفِ نفسه يوماً. المشكلة أنّ البعض يصرّ على التعامل مع الأطماع كأنّها تصريح رسمي يجب أن يصدر في مؤتمر صحافي، لا كمسار متراكم من الوقائع العسكرية والخرائط والاعتداءات.
المفارقة الساخرة أنّ من يطالبك بالهدوء والتعقّل، هو نفسه من يطلب منك تجاهل الدبابات عندما تقترب، والصواريخ عندما تسقط، والتصريحات عندما تُقال، بحجّة أنّ «التصعيد لا يفيد». وكأنّ المطلوب هو أن تكون ضحيّة مهذّبة: تُقصف بصمت، وتُحتلّ بأدب، وتُصفّق لمن يقنعها أنّ كلّ ذلك لا يعني شيئاً.
في الجنوب، المسألة ليست نظرية. هناك أرض مكشوفة، ومحاور مفتوحة، وتجارب سابقة تُخبرك ماذا يحدث عندما تتقدّم الدبابات. ما جرى في 2006 ليس ذكرى رومانسية، بل درس ميداني واضح: التقدّم له كلفة، والاحتلال ليس نزهة. لذلك، كلّ اشتباك، وكلّ تدمير لآلية، وكلّ “حادث صعب” في الإعلام المعادي، ليس تفصيلاً عسكرياً فقط، بل رسالة سياسية مفادها أن هذه الأرض ليست سائبة.
أما الربط بين الجبهات، فهو أكثر ما يُزعج دعاة “التحليل النظيف”. يريدون صراعاً معقّماً، بلا سياق إقليمي ولا امتدادات. لكن الواقع يقول إنّ المنطقة شبكة واحدة: من الخليج إلى المتوسط، من القواعد العسكرية إلى خطوط الإمداد. حين تشتعل جبهة، تهتزّ أخرى. وحين يُعاد رسم ميزان القوى في مكان، تظهر ارتداداته في أماكن أخرى.
المضحك المبكي أنّ بعض الأنظمة التي استضافت القواعد لعقود، تكتشف فجأة فضيلة الحياد عندما تصبح تحت النار. تتحوّل من “حليف استراتيجي” إلى “طرف بريء” خلال ساعات. وكأنّ القواعد كانت مشاريع سياحية، والصواريخ التي تنطلق منها مجرّد ألعاب نارية.
في لبنان، المعادلة أكثر حدّة. هنا لا توجد رفاهية الخسارة «المحسوبة». الهزيمة ليست بياناً سياسياً يُعاد صياغته، بل تغيّر فعلي في الوقائع على الأرض. لذلك، يصبح الصراع وجودياً لمن يخوضه، بينما يتعامل معه آخرون كأنه مادة للجدل التلفزيوني.
السلطة، من جهتها، تعود إلى هوايتها القديمة: البحث عن خلاص عبر التفاهمات، حتى لو كان ثمنها التنازل. التاريخ يعيد نفسه، لكن هذه المرّة بنبرة أكثر ارتباكاً، وأقلّ قدرة على الإقناع. الفارق أنّ الأرض لا تنتظر البيانات، والحدود لا تُرسم بالمؤتمرات.
لكن هذه المقاربة، على وضوحها الأخلاقي، تبقى ناقصة إن لم تُستكمل بسؤال أصعب: ماذا بعد؟ فاختزال الصراع في معادلة أخلاقية بحتة، دون تقديم مسار عملي، يحوّل الإدانة إلى موقف نظري أكثر منه أداة تغيير.
الظلم موجود، والاحتلال موجود، لكن السؤال الأصعب هو: في ظل ميزان القوة الهائل وغير المتوازن، كيف يمكن ترجمة هذا الوعي الأخلاقي والسياسي إلى خلاص فعلي؟ هذا هو السؤال الذي تخشى النخب طرحه، لأنه يقود إلى استنتاجات صعبة حول التضحية، والقدرة على الردع، والتكامل الإقليمي، وليس فقط حول من يملك الحقيقة.
في نهاية هذا الضجيج، تبقى حقيقة واحدة عصيّة على التلاعب: ليس من يكتب البيانات هو من يحدّد المسار، ولا من يرفع الشعارات هو من يرسم الحدود. وحده الميدان، بما يحمله من توازنات القوّة والدم والتضحيات، هو صاحب القرار الفعلي في رسم مستقبل الأيام. أمّا ما عداه، فليس سوى محاولات لتفسير ما حُسم بالفعل على الأرض، أو للهروب من الاعتراف به.
بقلم: أحمد الشهال
