في لحظةٍ بدا فيها التفوّق العسكري لـ«الكيان الصهيوني» ساحقًا إلى حدّ الحسم السريع، انقلب المشهد في غزة إلى نموذجٍ معقّد لحربٍ لا تُحسم. فبعد أكثر من عامين على العمليات العسكرية الكثيفة، لم يتحقق الهدف المعلن بـ«القضاء» على حماس أو تفكيك بنية المقاومة. هنا لا يعود السؤال عسكريًا صرفًا، بل يتحوّل إلى سؤالٍ بنيوي: لماذا تفشل القوة عندما تصطدم بمجتمعٍ مُعاد التشكّل تحت الضغط؟
أولًا: ميدان لا يُرى — الحرب تحت الأرض
الخطأ التأسيسي في التقدير كان اعتبار غزة ساحةً تقليدية. في الواقع، هي فضاء مزدوج: سطحٌ مكشوف، وتحتُه عالمٌ خفيّ.
شبكة الأنفاق لم تكن مجرد وسيلة تكتيكية، بل تحوّلت إلى بنية تحتية موازية للدولة:
ممرات للحركة، مخازن، غرف قيادة، ومسارات اتصال. هذه الشبكة ألغت جزءًا كبيرًا من التفوّق التكنولوجي، لأن أدوات الاستطلاع الحديثة — من أقمار صناعية إلى طائرات مسيّرة — تبقى أسيرة “السطح”.
القصف الجوي، مهما بلغت كثافته، يدمّر المباني لكنه لا يضمن تحييد العمق. وهنا تتبدّى المفارقة:
كلما ازداد التدمير، زادت قدرة البنية التحتية الخفية على العمل، لأنها أصلاً مصمّمة للعمل في ظروف الانهيار.
ثانيًا: حدود القوّة النارية — حين تفشل الكتلة في كسر الشبكة
الاستراتيجية القائمة على الكثافة النارية اصطدمت بحقيقة أن المقاومة ليست هدفًا مركزيًا يمكن تدميره، بل شبكة موزّعة.
محاولات إغراق الأنفاق أو تدميرها لم تحقّق الحسم، لأن هذه الشبكات:
مجزّأة وليست خطًا واحدًا
عميقة ومتعددة المستويات
قادرة على امتصاص الضربات وإعادة التشكّل
بمعنى آخر، نحن أمام نموذج “المرونة البنيوية”: كل ضربة لا تُنهي الشبكة، بل تدفعها إلى التكيّف.
ثالثًا: المعضلة البرية — السيطرة دون تثبيت
حين انتقل القتال إلى المشاة، ظهرت الأزمة بوضوح. فالحرب في المدن، خصوصًا في بيئة كثيفة كغزة، تتحوّل إلى استنزاف بطيء.
القوات تستطيع التقدّم، لكن لا تستطيع الاحتفاظ بالأرض.
بمجرد الانسحاب، تعود العناصر عبر الأنفاق، وتُعاد السيطرة على النقاط نفسها.
هنا يتجلّى أحد أهم دروس الحروب الحديثة:
السيطرة العسكرية لا تعني السيطرة السياسية ولا حتى الجغرافية.
رابعًا: إعادة إنتاج المقاومة — المجتمع كخزان لا ينضب
حتى عندما تتكبّد المقاومة خسائر كبيرة في القيادات أو المقاتلين، فإن البنية لا تنهار. السبب ليس فقط تنظيميًا، بل اجتماعي.
تدمير الاقتصاد والبنية المدنية لم يؤدِّ إلى تفكيك البيئة الحاضنة، بل العكس:
يولّد موجات تجنيد جديدة
يعمّق الشعور بالعداء
يخلق دوافع انتقامية واستمرارية للصراع
وهكذا يتشكّل دوران مغلق:
القوة العسكرية تنتج بيئة مقاومة، وهذه البيئة تعيد إنتاج القوة البشرية للمقاومة.
خامسًا: استحالة الفصل — حين ينهار الحد بين المدني والمقاتل
في غزة، لا يمكن رسم خطٍ واضح بين “مدني” و“مقاتل”. هذا ليس مجرد تعقيد أخلاقي، بل مأزق عملي:
المقاتل قد يكون جزءًا من الحياة اليومية
الشبكات الاجتماعية تتداخل مع الشبكات القتالية
الاستهداف الشامل مستحيل دون كلفة سياسية وأخلاقية هائلة
وهذا ما يُفرغ عمليات “التطهير” من فعاليتها، لأن الهدف غير قابل للتحديد الكامل.
سادسًا: غياب مركز الثقل — حرب بلا نقطة انهيار
في الحروب التقليدية، هناك دائمًا “مركز ثقل” يمكن ضربه: عاصمة، قيادة، بنية لوجستية مركزية.
أما في غزة، فالبنية موزّعة، مخفية، ولامركزية.
تدمير المستودعات لا ينهي الإمداد.
اغتيال القادة لا ينهي القرار.
القصف لا ينهي القدرة على الفعل.
هذا يعني أن الحرب فقدت أحد أهم شروط الحسم: وجود نقطة يمكن عندها أن ينهار النظام بالكامل.
سابعًا: الفجوة بين العسكري والسياسي
رغم تحقيق إنجازات عسكرية جزئية، فإنها لم تتحوّل إلى نتائج سياسية.
المقاومة لم تُستبدل، ولم تُهزم، بل أعادت تنظيم نفسها.
محاولات فرض بدائل سياسية جاءت بنتائج عكسية، لأن الفراغ في بيئة صراع كهذه يُملأ غالبًا بالقوة الأكثر تنظيمًا، لا الأكثر اعتدالًا.
ثامنًا: الأفق المسدود — حين تتحول الحرب إلى حالة دائمة
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن كل الخيارات تصطدم بجدار:
الحل العسكري الكامل غير ممكن
الحل السياسي غير متاح في ظل التوازنات الحالية
الضغط المستمر يزيد من التطرّف بدل أن يخففه
أما الحديث عن “تغيير ديمغرافي”، فهو يدخل في مستوى آخر من الصراع، تتجاوز تداعياته الإقليم إلى النظام الدولي بأسره.
خاتمة: درس غزة — حدود القوة في مواجهة الإرادة والبنية
ما تكشفه تجربة غزة ليس مجرد فشل تكتيكي، بل تحوّل في طبيعة الحروب نفسها.
لم تعد المواجهة بين جيشٍ وآخر، بل بين قوةٍ نظامية وبنية اجتماعية-عسكرية مرنة، قادرة على الامتصاص والتكيّف وإعادة الإنتاج.
في هذا النوع من الصراعات، لا يكون السؤال: من الأقوى؟
بل: من الأقدر على الاستمرار؟
وهنا تحديدًا تكمن العقدة التي لم تُحلّ:
القوة تستطيع أن تُدمّر، لكنها لا تستطيع وحدها أن تُنهي فكرة، ولا أن تُطفئ بيئةً تنتج المقاومة باستمرار.
غزة، بهذا المعنى، ليست مجرد ساحة حرب، بل مختبر قاسٍ لنهاية وهم الحسم العسكري في صراعات الهوية والإرادة.
د.نبيلة عفيف غصن
