تحاول سلطات الاحتلال الإسرائيلي في القدس المحتلّة فرض وقائع تهويدية جديدة، مستغلةً ظروف الحرب الإقليمية، في وقت يتواصل فيه تقييد دخول المسلمين إلى المسجد الأقصى المبارك. بالتوازي، يعلن قادة ما تُعرف بـ”جماعات الهيكل” نيتهم إدخال قرابين حيوانية وذبحها داخل باحات المسجد خلال أعيادهم اليهودية المرتقبة في الأسبوعين المقبلين.
وفي هذا السياق، أظهرت مقاطع مصوّرة، مساء السبت الماضي، محاولة مستوطنين إدخال سَخلَين إلى البلدة القديمة في القدس، لاستخدامهما كقرابين ضمن طقوسهم الدينية، قبل أن تمنعهم شرطة الاحتلال من ذلك. غير أن سياسيين عربًا ونشطاء مقدسيين يرون أن هذا المنع قد يكون شكليًا، معتبرين أن المحاولة تندرج في إطار “جسّ نبض” ردود الفعل، تمهيدًا لتنفيذ ذبح القرابين داخل المسجد الأقصى، مستفيدين من حالة الطوارئ والظروف الأمنية المفروضة في المدينة.
ومن داخل القدس، أشار عضو هيئة العمل الوطني والأهلي، مازن الجعبري، إلى أن المستوطنين المتطرفين نجحوا العام الماضي في إدخال القرابين إلى المسجد الأقصى خلال أعيادهم، لكن حراس المسجد اكتشفوا ذلك وأوقفوهم، إلا أنّ المخاوف في العام الجاري تزيد، نظرًا لوجود رئيسٍ جديد شرطة الاحتلال في القدس، وهو متطرف ومقرب من وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير، ويسعى لتمرير مخططات المستوطنين في المدينة.
وأوضح الجعبري في حديث مع شبكة قدس الإخبارية أن المستوطنين يركزون على إدخال القرابين بشكل خاص خلال أعيادهم في شهر أبريل القادم، وعيد الفصح خصوصًا، معتبرين أن ذلك يحمل رسالة رمزية بأن “الهيكل” الذي يزعمونه موجود تحت الأقصى.
وأضاف أن الهدف من الناحية المعنوية هو ترسيخ فكرة وجود الهيكل، ولذلك حاول المستوطنون يوم السبت الماضي إدخال القرابين من عند باب الخليل قرب الحائط الغربي للأقصى، مشيرًا إلى أن إدخال القرابين سيشكّل تغييرًا جذريًا في الوضع القائم داخل المسجد. وتوقع الجعبري أن يقوم الاحتلال بفتح المسجد الأقصى بشكل جزئي للمسلمين واليهود في الفترة القادمة، موضحًا أن الهدف الحقيقي من ذلك هو تمرير دخول المستوطنين إلى الأقصى وتنفيذ مخططاتهم.
وأشار إلى أن الاحتلال ينظر إلى الأعياد اليهودية كمرحلة تتراكم فيها الوقائع الجديدة في الأقصى من شعائر تلمودية، محذرًا من مخاطر إدخال القرابين بهذه الطريقة، عبر السماح بدخول الأقصى لأعداد محدودة، وهو ما يتم تحت ضغط جماعات الهيكل. كما أشار إلى ما حدث في كنيسة القيامة، حيث انتقد السفير الأمريكي في إسرائيل -رغم ميوله المؤيدة لإسرائيل- إغلاق الكنيسة ومنع الطقوس فيها، مؤكدًا أن هذا المثال يوضح ضرورة تحرك الدول العربية في هذا الاتجاه.
وأوضح أن الاحتلال منع المسيحيين من تأدية طقوسهم الدينية يوم أمس في أحد الشعانين، وتحديدًا في كنيسة القيامة، قبل أن يخضع للضغوط الغربية ويعيد فتح الكنيسة بشكل جزئي. وبيّن أن الاحتلال تراجع عن إجراءاته الأمنية بشأن كنيسة القيامة، لكنه اعتبر أن الضغوط العربية غائبة فيما يخص المسجد الأقصى، مؤكدًا أن ذرائع الإغلاق غير مبررة والمرتبطة بعدم وجود ملاجئ في الأقصى، لأن في أسفل المسجد مصليات مثل المصلى المرواني، والتي تُعدّ حماية للمصلين في حال حدوث أي طارئ.
وفي إجابته على سؤال شبكة قدس حول المطلوب من الأطراف السياسية الرسمية العربية، قال الجعبري إن الدول العربية التي لها علاقات مع إسرائيل وتحالف مع الولايات المتحدة، لو توفرت لديها الإرادة السياسية لطلب وقف الإجراءات الإسرائيلية وتغيير الواقع في الأقصى، وكانت الولايات المتحدة ضغطت على نتنياهو.
واعتبر الجعبري أن أي تدخلات سياسية أخرى لن تكون فعّالة، خصوصًا إذا كانت من السلطة الفلسطينية، لأنها ليست لديها القدرة على الضغط على حكومة الاحتلال.
وفي السياق ذاته، يقول النائب في البرلمان الجزائري، يوسف عجيسة لـ شبكة قدس الإخبارية، إن المسجد الأقصى المبارك يشهد إغلاقًا متواصلًا منذ بداية العدوان الصهيوأمريكي على إيران، بذريعة الأوضاع الأمنية، معتبرًا أن سلطات الاحتلال تستغل هذه الظروف لتنفيذ مخططات كانت تسعى إليها منذ سنوات، تقوم على فرض الإغلاق الزماني والمكاني، وحرمان المقدسيين من أداء الصلاة، كما جرى خلال شهر رمضان وعيد الفطر وسائر الأوقات.
ويضيف عجيسة أن ما يتعرض له المسجد الأقصى يجري وسط “صمت رهيب” من المؤسسات الدولية والحقوقية، وكذلك من الجهات التي تضطلع بوصاية على المقدسات الإسلامية، في إشارة إلى الحكومة الأردنية، مؤكدًا أن هذا الصمت يفاقم من خطورة الإجراءات الإسرائيلية، ويمنحها مساحة أوسع لفرض وقائع جديدة على الأرض.
ويتابع أن الأقصى “يُحاصر ويُغلق” في ظل تقاعس واضح ممن يعلنون التزامهم بحماية المقدسات الإسلامية، مشددًا على أن استمرار هذا الواقع يستدعي تحركًا عاجلًا من المؤسسات الدولية وأحرار العالم، لمنع المساس بمشاعر المسلمين، ووضع حد للانتهاكات المتصاعدة بحق المسجد.
ويحذر عجيسة من أن محاولات إدخال القرابين الحيوانية إلى باحات المسجد الأقصى قد تكون مقدمة لمخططات أوسع تستهدف تغيير الوضع القائم، وصولًا إلى هدم المسجد وبناء ما يُعرف بـ”الهيكل” المزعوم، لا سيما في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة، معتبرًا أن أخطر ما في الأمر هو إمكانية استغلال هذه الظروف لتحقيق هذه الأهداف.
كما يشير إلى أن فرض القيود على المسجد الأقصى ليس حدثًا معزولًا، بل يندرج ضمن سياسات أوسع تنتهجها سلطات الاحتلال في مناطق مختلفة، مستشهدًا بإجراءات تُتخذ حتى في محيط الكنيست، لكنها تُستخدم ذريعة لتقييد وصول عشرات آلاف المصلين إلى المسجد الأقصى ومنعهم من إعمارِه.
ويؤكد عجيسة في ختام حديثه ضرورة وجود حالة من المقاومة والمواجهة، عبر محاولات مستمرة من المقدسيين للوصول إلى المسجد الأقصى وباحاته، داعيًا في الوقت ذاته إلى دعم حقيقي من مؤسسات العالم الإسلامي، في ظل تصاعد محاولات المستوطنين إدخال القرابين، والتي قد تتحول -في حال السماح بها- إلى ذريعة لفرض رواية تزعم أحقيتهم في المكان.
أما عضو لجنة الإعلام والتوجيه الوطني في مجلس النواب الأردني، نور أبو غوش، تقول لـ شبكة قدس الإخبرية إن ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة بحق المسجد الأقصى ومحاولات إدخال القرابين يشكّل اعتداءً خطيرًا على الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات الإسلامية والمسيحية، مؤكدة أن عمّان تتابع هذه التطورات بـ”قلق ورفض شديد”. وتشير إلى أن الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة تمثل محاولة لفرض واقع جديد، مستغلةً الظروف الإقليمية الراهنة.
وتوضح أبو غوش أن المستجدات في المسجد الأقصى تتطلب تصعيدًا رسميًا ودبلوماسيًا وسياسيًا من الدول العربية والإسلامية، مشيرة إلى أن مستوى الخطر الذي يهدد الأقصى والمقدسات المسيحية “غير مسبوق”، وأن استمرار الصمت سيشجّع الاحتلال على المضيّ قدمًا في فرض مزيد من الإجراءات التهويدية.
وردًا على سؤال شبكة قدس حول ما إذا كان ملف الأقصى يُطرح داخل مجلس النواب الأردني، تؤكد أبو غوش أن القضية حاضرة بشكل دائم في نقاشات البرلمان، موضحة أن جلسة اليوم شهدت مطالبة واضحة من لجنة فلسطين النيابية بضرورة التصعيد السياسي والأمني لضبط الأوضاع في المسجد الأقصى، ومواجهة الإجراءات الإسرائيلية المتسارعة.
وتشدد أبو غوش على أن المطلوب عربيًا -رسميًا وشعبيًا- هو تبني موقف صارم وواضح تجاه ما يحدث، مع تفعيل المخاطبة القانونية والسياسية للمؤسسات الدولية، والإصرار على إبقاء المقدسات الإسلامية خارج دوائر الصراعات الإقليمية، لمنع الاحتلال من فرض أي واقع جديد داخل المسجد الأقصى المبارك.
شبكة قدس الإخبارية
