التمديد الثاني أفضل من العودة للحرب
التعليق السياسي – كتب ناصر قنديل
- قرار دونالد ترامب تمديد مهلة اليومين لتدمير البنية التحتية للطاقة في إيران ما لم يفتح مضيق هرمز، الى خمسة أيام، لا يبدو حتى الآن، مدخلًا إلى تبدل حقيقي في مسار الأزمة، بقدر ما يبدو شراءً للوقت تحت ضغط الوقائع. الثابت أن ترامب أعلن في 23 آذار/مارس أنه أرجأ أي ضربات أميركية على محطات الكهرباء الإيرانية خمسة أيام، قبل ساعات من مهلة كان قد ربطها بإعادة فتح مضيق هرمز، وقال بعد ذلك إن الولايات المتحدة أجرت محادثات مع إيران وإن هناك “نقاط اتفاق كبرى” وإن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر كانا طرفين في الاتصالات. لكن الرواية الإيرانية جاءت معاكسة تقريبًا: طهران نفت حصول مفاوضات مباشرة، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وصف الحديث عن التفاوض بأنه “أخبار كاذبة” تُستخدم للتلاعب بالأسواق النفطية والمالية، فيما قال مسؤول أوروبي لرويترز إن ما جرى لم يكن تفاوضًا مباشرًا بل تبادل رسائل عبر مصر وباكستان ودول خليجية. وفي اليوم التالي قالت ثلاثة مصادر إسرائيلية كبيرة لرويترز إن ترامب يبدو مصممًا على السعي إلى اتفاق، لكنها أضافت أن نجاحه غير مرجح لأن المطالب الأميركية المتوقعة تشمل قيودًا على البرنامجين النووي والبالستي الإيرانيين، أي إن الفجوة ما زالت واسعة بين ما يعلنه ترامب عن قرب الاتفاق وما يشي به الإيرانيون والوسطاء عن بقاء العقد الأساسية في مكانها.
- أما خطر العودة إلى الحرب، فهو نفسه تقريبًا الخطر الذي أجبر ترامب على التمديد بدل تنفيذ التهديد. فالمشكلة التي واجهته ليست نقص الرغبة في التصعيد، بل كلفة التصعيد. رويترز ذكرت أن إيران أبقت مضيق هرمز مغلقًا فعليًا، وهو ممر يمر عبره نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا، وأن طهران قالت إنها لن تعيد فتحه ما لم تتوقف الهجمات الأميركية والإسرائيلية. كما نقلت رويترز في 19 آذار/مارس أن الضربات المتبادلة على البنية التحتية للطاقة دفعت أسعار الطاقة إلى القفز، بعد أن أصابت إيران مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، التي تعالج نحو خُمس الغاز الطبيعي المسال في العالم، وبعد استهداف الميناء السعودي الرئيسي على البحر الأحمر أيضًا انفلتت الأسعار من الضوابط. وفي السياق نفسه، قال ترامب إنه طلب من نتنياهو ألا يكرر ضربات على البنية التحتية الغازية الإيرانية، في إشارة واضحة إلى أن انفلات حرب الطاقة صار عبئًا مباشرًا على البيت الأبيض سياسيًا واقتصاديًا. لذلك، إذا كان الاتفاق الشامل متعذرًا، فالعودة إلى التهديد الأول تعني العودة إلى الشروط نفسها التي اضطرته أصلًا إلى التراجع.
- هنا تصبح خيارات ترامب ضيقة ومكلفة كلها. أن يقبل باتفاق بالحدود التي تستطيع إيران احتمالها، فهذا قد يخفف من خطر الحرب لكنه يحرمه من صورة “النصر” التي يحتاجها داخليًا، ويضعه في مواجهة أزمة مع إسرائيل التي ترى في أي تسوية لا تنتهي إلى تفكيك القدرات الإيرانية الأساسية سقوطًا لهدف الحرب. وأن يذهب إلى نصف حل، من نوع تهدئة ممتدة، أو ترتيب مؤقت في هرمز، أو تفاهم على شهر من وقف النار لبحث خطة أوسع، فهذا ليس استنتاجًا نظريًا فقط؛ فقد نقلت رويترز عن تقارير إعلامية أن واشنطن أرسلت خطة من 15 نقطة، بينما قالت القناة 12 الإسرائيلية إن الولايات المتحدة تسعى إلى وقف إطلاق نار لمدة شهر لمناقشة هذه الخطة. وهذا النوع من “أنصاف الحلول” ينسجم أكثر مع منطق التمديد الأول، ويجعل التمديد الثاني احتمالًا واقعيًا لأنه يوفر مخرجًا تفاوضيًا من دون إعلان تراجع كامل.
- يبقى السؤال ماذا سوف تفعل اسرائيل وماذا تستطيع لقطع هذا المسار؟
