يا من شاهدت لحظة اختفاء “فيل موراكامي” في لبنان.. لا تيأس!
«كان الناس يميلون إلى تصديق التفسيرات الرسمية التي تبسط الأمور، حتى لو كانت تخالف ما تراه أعينهم.. لقد أرادوا إقناعي بأن الفيل لم يختفِ، بل إنه لم يكن موجوداً بالشكل الذي أتخيله»..
ورد هذا الاقتباس على لسان بطل قصة “الفيل يختفي” لعملاق الأدب الياباني هاروكي موراكامي؛ حيث بذلت السلطات والبلدية جهداً هائلاً لإقناع الجمهور بأن اختفاء الفيل أمر “منطقي” ولا يدعو للريبة، وللأسف، انقاد الجمهور لهذا الزيف، رغم محاولات بطل القصة الدؤوبة لإقناعهم بظاهرة الاختفاء التي عاينها بنفسه، ولكن دون جدوى!
تبدأ القصة بقرار “البلدية” إيواء فيل عجوز بعد إغلاق حديقة الحيوان، فيبني له المجتمع قفصاً حديثاً ويعين له حارساً مخلصاً. لكن في ليلة غامضة، يختفي الفيل والحارس من داخل القفص المقفل تماماً، دون كسر الأقفال أو ترك أي أثر لهروب أو سرقة.
كان بائع الأجهزة الكهربائية -الذي هو بطل قصتنا- هو الشاهد الوحيد الذي رصد اللحظات الأخيرة للفيل قبل تلاشيه؛ إذ كان يراقبه من تلة قريبة عبر منظار، ليرى مشهداً سريالياً: الفيل ومدربه يتقلصان في الحجم حتى تساويا في النسب، ثم تلاشت كتلتهما في الفراغ واختفيا تماماً، بينما ظلت الأغلال الحديدية في مكانها مغلقة كما هي.
يمثل هذا “الشاهد الوحيد” الإنسان الواعي الذي يرفض الانصياع لـ”البروباغندا” أو التضليل الممنهج، ويصر على أن ما يراه بأم عينه من أحداث مفصلية في المنطقة -لا سيما مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي يسير على قدم وساق، وطبيعة المعركة الحالية بين جبهة الحق وحلف الباطل- هو الحقيقة المطلقة، رافضاً كل المحاولات لإقناعه بأن الأمور تسير بشكل طبيعي أو أن “الفيل” لم يكن مهماً منذ البداية.
تماماً كما يواجه اللبنانيون اليوم محاولات ممنهجة لإقناعهم بأن خيار المقاومة ليس ضرورة وجودية، بل مجرد “خيال” أو عبء ثقيل. لقد أصاب منطق العالم خللٌ جعل المألوفات تبدو غريبة، وزادت مواقع التواصل الاجتماعي من عزلة البشر؛ فأصبح التائه في جزيرة نائية أقل غربة من الغارق في قاع “التريندات” والمحتويات الممولة التي تهدف حصراً إلى حرف بوصلة الشعوب، وقد نجحت في ذلك إلى حد بعيد.
“الفكرة النبيلة لا تحتاج غالباً للفهم.. بل تحتاج للإحساس“؛ عبارة لكنفاني لم تعد تجدي نفعاً مع هذا القاع المزدحم الذي تغيرت بوصلته وحتى فطرته وصار فيه البعض عبيداً لإله التفاهة..
ففي هذا الواقع.. تُحجب الشمس بغربال المليارات التي يضخها المشروع “الصهيو-أمريكي” عبر منظومة “التضليل والتفاهة”؛ حيث يراد للمواطن أن يصدق “الرواية الرسمية” التي تصاغ في غرف العمليات الدولية، وتصور له الارتماء في أحضان عدوه كأنه “سلام”، والدفاع عن أرضه كأنه “جنون”. إنهم يسعون لتفريغ الإنسان من جوهره المقاوم، وعزله عن هموم أمته، تماماً كجمهور موراكامي الذي اقتنع في النهاية بأن الفيل لم يعد مهماً، وواصل حياته في عالم بلا معنى.
وأختم بعبارة الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- التي أوصى القائد الأممي جورج حبش أن تُكتب على قبره: “لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه”.
أبو الأمير_القدس
