القتل عن بُعد… حين تُدار الحروب من خلف الستار ويُوزَّع الدم على الشركاء
رسول حسين أبو السبح – العراق
في الحروب القديمة، كان القاتل يرى ضحيته، يسمع أنفاسه، ويشعر بثقل الفعل وهو يرتكبه، أما اليوم، فقد تغيّر كل شيء، لم يعد القتل يحتاج إلى مواجهة، ولا حتى إلى قرارٍ مباشر بالضغط على الزناد، يكفي أن تُفتح القواعد، أن تُمنح الأجواء، أن يعم الصمت… ليبدأ “القتل عن بُعد”.
هذا النوع من القتل لا يُنسب إلى فاعلٍ واحد، بل يتوزّع على شبكةٍ كاملة من الشركاء، من يخطط، ومن ينفذ، ومن يمول، ومن يصمت.
في لحظة الهجوم على جمهورية الإسلام إيران، لم تكن الطائرات وحدها في السماء، بل كانت هناك خرائط سياسية مرسومة سلفًا، وقواعد جاهزة، وممرات مفتوحة، هنا تتحول الجغرافيا إلى أداة، والسيادة إلى خدمة، والحياد إلى تواطؤ، لم تعد المسألة مجرد ضربة عسكرية، بل منظومة اشتغال كاملة تُدار من خلف الستار.
حكام الخليج، في هذا المشهد، لم يعلنوا الحرب، لكنهم أيضًا لم يمنعوها، لم يضغطوا على الزناد، لكنهم قدموا المنصة التي انطلق منها الرصاص، وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية القاسية، هل الصمت في لحظة الدم حياد… أم شراكة؟
القتل عن بُعد هو أخطر أشكال القتل، لأنه يُعفي الضمير من المواجهة المباشرة، القاتل لا يرى الضحية، فلا يشعر بوخز الضمير، والشريك لا يسمع الصراخ، فيظن أنه خارج دائرة الجريمة، لكن الحقيقة أن الدم، حين يسيل، لا يسأل من ضغط الزناد؟ بل يسأل:ط من فتح الطريق؟.
في هذا السياق، يصبح السكوت موقفًا، والموقف جريمة، فحين تُستخدم القواعد العسكرية على أرضك لضرب شعبٍ آخر، فإنك لا تقف على الحياد، بل تقف في صفٍ محدد، حتى لو لم تعلن ذلك، وحين تُرتكب المجازر، ويُكتفى ببيانات باردة أو صمتٍ ثقيل، فإن التاريخ لا يسجل الصمت كحكمة، بل كعار.
الجمهورية الإسلامية الايرانية، في هذا المشهد، لم تكن مجرد هدف عسكري، بل نموذجًا لصراع الإرادات، صمودها بوجه الطغاة وثباتها بوجه الاستكبار، لم يكن فقط دفاعًا عن الأرض، بل كسرًا لفكرة أن الحروب يمكن أن تُدار بلا تكلفة سياسية على من يسهلها، هنا، يتغير الخطاب من إدانة الضربة إلى إدانة الشركاء فيها.
ولذلك، فإن الجملة التي تتردد اليوم “الموت أولى من ركوب العار” ليست مجرد شعار، بل إعادة تعريف للكرامة السياسية، لأن أخطر ما يمكن أن تفعله الأنظمة ليس أن تُهزم، بل أن تتخلى عن موقعها الأخلاقي وتتحول إلى أدوات في حرب لا تملك شرفها ولا قرارها.
في النهاية، القتل عن بُعد لا يلغي المسؤولية، بل يوسعها، يجعل من كل صامتٍ طرفًا، ومن كل متواطئ شريكًا، ومن كل أرضٍ تُستخدم منصةً، شاهدًا لا يمكنه الهروب من شهادة التاريخ.
والتاريخ، كما نعرف، لا ينسى.
