حين تُنتزع الشرعية بقرار: من يحاكم مَن في لبنان؟

د.نبيلة عفيف غصن

ليس ما يجري في لبنان مجرد خلافٍ على سلاح، ولا حتى تباينًا في قراءة نصوص قانونية. ما نشهده هو محاولة لإعادة تعريف الدولة نفسها، لا عبر التوافق الوطني، بل عبر قرارات فوقية تُلبس ثوب الشرعية، وهي في جوهرها اقتلاعٌ لها من جذورها.

وإذا أردنا أن نسمّي الأمور بأسمائها، فإن القرارات التي تُتخذ اليوم تحت عنوان “تنظيم شرعية السلاح” لا تنبع من إرادة وطنية حرّة، بل تستند إلى إملاءات خارجية تمارسها سلطات الوصاية، تحقيقًا لمصالح إمبريالية لا تمتّ بصلة إلى مصلحة لبنان وسيادته. وليس أدلّ على ذلك من أن المستهدف المباشر هو عنصر القوة الفعلي في لبنان: المقاومة. فحين يُستهدف عامل القوة بدل تعزيزه، لا يعود الحديث عن بناء دولة، بل عن إعادة تشكيلها بما يخدم توازنات الخارج.

المسألة هنا لا تحتمل التجميل: عندما تُقدِم سلطة تنفيذية على خطوة تمسّ أحد أعمدة التوازن الذي قام عليه الكيان بعد الطائف، فهي لا تمارس صلاحياتها، بل تتجاوزها. لأن ما تأسّس بتوافق تاريخي شامل لا يُلغى بتوقيع إداري، وما كُتب بدماء الحرب الأهلية لا يُمحى بحبر قرار حكومي.

الطائف ليس ورقة… بل عقد وجود
الذين يتعاملون مع اتفاق الطائف كأنه بند قابل للتعديل في جدول أعمال مجلس الوزراء، يتجاهلون حقيقة أساسية: هذا الاتفاق ليس تفصيلًا قانونيًا، بل هو العقد الذي أعاد إنتاج لبنان من رماد الحرب.
وفي قلب هذا العقد، وُلدت معادلة واضحة: مقاومة تُستثنى من نزع السلاح لأنها تؤدي وظيفة لم تستطع الدولة القيام بها في لحظة تاريخية حاسمة. لم يكن ذلك منّة، ولا تسوية عابرة، بل اعترافًا بواقع صاغته المواجهة مع العدو، لا التنظير في القاعات المغلقة.
فكيف يُعقل اليوم أن يُلغى هذا الاستثناء، لا بإجماع وطني جديد، بل بقرارٍ يصدر وكأن لبنان شركة تُدار بمرسوم؟

من هي الدولة أصلًا؟
هنا يختلط المفهوم، ويجري—عن قصد أو عن جهل—التلاعب بالمصطلحات. حين يُقال إن “قرار الحرب والسلم بيد الدولة”، يبدو الكلام بديهيًا في ظاهره، لكنه يخفي سؤالًا مفصليًا: من هي الدولة؟
في التعريف الحديث، الدولة ليست الحكومة، ولا تختزل في مجلس وزراء أو سلطة تنفيذية. الدولة هي التعبير الأسمى عن سيادة الشعب، وهي التعبير عن إرادة الشعب ومصلحة الوطن.
أما الحكومة، فهي أداة من أدوات هذه الدولة، وليست مرادفًا لها. وحين تُختزل الدولة بالحكومة، نكون قد عدنا إلى مفاهيم سقطت منذ قرون، حيث كان الحاكم يُجسّد الدولة بذاته.
وعليه، فإن القول بأن قرار الحرب والسلم بيد الدولة لا يمكن أن يُترجم بقرار صادر عن حكومة، مهما علا شأنها، بل يفترض مسارًا وطنيًا جامعًا يُعبّر عن إرادة الشعب في قضاياه المصيرية.
إن الخلط بين الدولة والحكومة ليس خطأً نظريًا فحسب، بل هو مدخل خطير لمصادرة القرار الوطني تحت غطاء دستوري زائف.

قرار بلا شرعية… هو والعدم سواء
في الفقه القانوني، هناك ما يُسمّى “القرار المنعدم”: ذلك الذي يولد ميتًا لأنه صدر عمّن لا يملك سلطة إصداره. وهذا ليس توصيفًا سياسيًا، بل حكم قانوني قاسٍ لا يقبل التجميل.
عندما تتصدى حكومة لمسألة تمسّ أساس الشرعية الوطنية، دون أن تملك التفويض الدستوري أو التوافق الشعبي، فهي لا تفرض واقعًا جديدًا، بل تخلق فراغًا أخطر من الفوضى: فراغ الشرعية.
وحينها، يصبح السؤال مشروعًا: هل يُطلب من الناس الامتثال لقرارٍ لا يملك مقومات الوجود القانوني أصلًا؟

من يحمي لبنان حين تُفرَّغ الدولة من عناصر قوتها؟
الخطاب الذي يرفع شعار “حصرية السلاح بيد الدولة” يبدو نظريًا جذابًا، لكنه يصطدم بواقع لا يمكن تجاهله: هل الدولة، كما هي اليوم، قادرة فعليًا على حماية لبنان من التهديدات القائمة؟
التاريخ القريب يجيب بوضوح قاسٍ. فحين غابت الدولة، لم تغب الأخطار. وحين عجزت المؤسسات، لم يتوقف العدوان. وفي تلك اللحظات، لم يكن النقاش نظريًا حول السيادة، بل كان سؤال بقاء.
من هنا، فإن تجريد لبنان من عناصر قوته قبل معالجة أسباب الصراع، لا يبدو كخطة لبناء دولة، بل كمغامرة محفوفة بانكشاف استراتيجي خطير.

القانون الدولي… أداة أم ذريعة؟
الاستناد الانتقائي إلى القرارات الدولية يكشف مفارقة صارخة. فالنصوص التي تُستخدم للضغط في اتجاه معين، يتم تجاهل ما يرافقها من التزامات مقابلة على الطرف الآخر.
أي منطق قانوني يقبل بتنفيذ أحادي لقرار دولي، بينما الطرف المقابل يضرب به عرض الحائط؟ وأي سيادة تلك التي تُختزل في التزام طرف واحد، فيما يُعفى الآخر من كل قيد؟
القانون، حين يُجزّأ، يتحول من أداة عدالة إلى وسيلة ضغط. وعندها، لا يعود الحديث عن “تطبيق الشرعية الدولية” سوى غطاءٍ لاختلال موازين القوة.

بين دولتين: دولة النص المختزل… ودولة الواقع
لبنان اليوم يقف على حافة انقسام عميق، ليس بين قوى سياسية فحسب، بل بين تصورين للدولة:
دولة تُبنى على نصوص تُطبّق انتقائيًا، وتُستخدم لفرض ما يمليه الخارج.
ودولة تنطلق من واقع الصراع، وترى أن السيادة لا تُصان بالشعارات والإملاءات، بل بالحفاظ على الأرض والدفاع عنها وامتلاك القدرة على فرضها.
المشكلة أن ما يُطرح —أي بناء دولة قادرة فعليًا— قد لا يؤدي إلى قيام دولة قوية، بل إلى سقوط ما تبقى منها.

الخلاصة: حين يتحول القانون إلى ساحة صراع
ما يجري ليس تطبيقًا للقانون، بل صراعٌ على من يملك حق تعريفه، وكيف يمكن تجييره لمصالح الخارج. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون المعركة بين “شرعية ولا شرعية”، بل بين شرعيتين: واحدة تستند إلى الوصايات الخارجية وتتذرع بالنصوص، وأخرى تستمد قوتها من الواقع.
لكن الأخطر من ذلك كله، هو أن محاولة حسم هذا الصراع بقرار إداري، قد لا تنهي الخلاف، بل تفتحه على احتمالات أكثر حدّة.
لأن الشرعية، في نهاية المطاف، لا تُفرض بقرار، ولا تُختزل بحكومة… بل تُبنى بإرادة شعب. وإذا جرى الالتفاف على هذه الحقيقة، فإن ما يُقدَّم على أنه استعادة للدولة قد يتحول، في الواقع، إلى تقويضٍ لما تبقّى منها.