بالوعي نقاوم!
– في إطار معركة «الوعي» وتفنيد الشبهات، والتأويلات المضللة، التي تخدم الأعداء من حيث لانشعر.. وتؤدي إلى «التصهين» من حيث لاندري. فنجد أنفسنا في صف أهل الباطل؟! وتصبح نفوسنا «قابلة للاستحمار» فتمهد لأرضنا «الاستعمار».
– يتفاعل الحُر بـ إيجايبة حول الحرب الدائرة بين المقاومة «أحرار الأمة» والكيان «الصهيوني».. فينبري شخص يدافع عن «الصهيونية» والتقليل من إنجازات المقاومة دون أن يشعر (لعلها حالة نفسية انهزامية).. بل ويعتقد بأن «إسرائيل الكبرى» يجب أن تُقام وسوف تُقام شئنا أم أبينا.. ويقول: « هذه إرادة الله» أتعترض على قدر الله؟! أتعترض على كتاب الله؟! الذي يقول في كتابه:
«وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرً».
«فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا».
– ينتهي من تلاوة هاتين الآيتين، ثم يتوجه إليك ويقول: «إياك أن تنكر! إن هذه آيات الله! سيعلون علواً كبيراً!».
– قد يكون كلام هذا المرء بحسن نية.. لكن أثره ونتيجته كأثر الشخص سيئ النية والفعل .. هو الانبطاح والخضوع وترك «إسرائيل» تعربد وتقتل.. ومهما قاومنا، فلن نستطيع الوقوف في وجهها، فالأسلم أن نُسَّلِم ونتقبل قدر الله بنصرهم وعلوهم!
– فهل تأويل هاتين «الآيتين» حقاً كما يدعون؟ وأن قدر «إسرائيل» أن تعلو وقدرنا أن «نُهزم» و «نُسحق»؟
– كُنت قبل شهور أقرأ كتاب، لأحد مشائخ الإسلام.. فتطرق لهاتين الآيتين وغيرها، سأنقل ما كتبه عن الآيات ذات الصلة كاملاً دون تصرف.
_______
﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 4-7].
*ذهاب بعض المعاصرين إلى أن الفساد الأول كان في عصر النبوة، وأن الفساد الثاني في عصرنا:*
– وقد ذهب بعض علماء العصر مثل الشيخ «الشعراوي» والشيخ «عبد المعز عبد الستار» وغيرهما، إلى أن المرة الأولى في إفساد بني إسرائيل كانت في عصر النبوة بعد البعثة المحمدية، وهي ما قام به بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وأهل خيبر، من كيد وبغي على الرسول وأصحابه، وقد نصرهم الله عليهم. وكان العباد المسلطون عليهم هم النبي والصحابة، بدليل مدح هؤلاء بإضافتهم إلى الله بقوله: ﴿عِبَادًا لَّنَا﴾. أما إفسادهم الثاني فهي ما يقومون به. اليوم من علو كبير وطغيان عظيم، وانتهاك للحرمات، وإهدار للحقوق، وسفك الدماء، وغيرها.
– وسيتحقق وعد الله تعالى بتأديبهم وعقوبتهم وتسليط المسلمين عليهم كما سُلطوا من قبل.
*الرد على هذا التفسير وبيان وجوه ضعفه:*
*ورأيي أنَّ هذا التفسير ضعيف لعدة أوجه :*
*أولاً:* أن قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾، أي : أنهينا إليهم وأعلمناهم في الكتاب، والمراد به: التوراة، كما قال قبلها: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، وما جاء في الكتاب أي : أسفار التوراة يدلُّ على أن هاتين المرتين قد وقعتا، كما في سفر تثنية الاشتراع.
*ثانياً:* أن قبائل بني قينقاع والنضير وقريظة لا تمثل بني إسرائيل في قوتهم وملكهم، إنما هم شرائح صغيرة من بني إسرائيل بعد أن قُطِّعوا في الأرض أمماً.
*ثالثاً:* أن الرسول والصحابة لم يجوسوا خلال ديار بني إسرائيل – كما أشارت الآية الكريمة – إذ لم تكن لهم ديار، وإنما هي ديار العرب في أرض العرب.
*رابعاً:* أن قوله تعالى: ﴿عِبَاداً لَّنَا﴾، لا يعني أنهم من عباده الصالحين، فقد أضاف الله تعالى الكفار والعصاة إلى ذاته المقدسة، كما في قوله تعالى : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان : ١٧] .
وقوله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر : ٥٣] .
*خامساً:* أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾، يتضمن امتنان الله تعالى عليهم بذلك، والله تعالى لا يمتنُّ على بني إسرائيل بإعطائهم الكرة على المسلمين .
*سادساً:* أن الله تعالى قال في المرة الآخرة: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ [الإسراء : ٧] .
والمسلمون لم يدخلوا مسجدهم قبل ذلك بالسيف والقهر ولم يُتَبِّروا ما عَلَوا. والمسلمون لم يدخلوا مسجدهم قبل ذلك بالسيف والقهر ولم يُتبّروا ما علوا تتبيراً، بل لم يكن شأن المسلمين أبداً التتبير والتدمير في حروبهم وفتوحهم. إنما هو شأن البابليين والرومان الذين سُلّطوا على الإسرائيليين.
*سابعاً:* أن ما أجمع عليه المفسرون القدامى أن مرتي الإفساد قد وقعتا، وأن الله تعالى عاقبهم على كلِّ واحدة منهما، وليس هناك عقوبة أشدُّ وأنكى عليهم من الهزيمة والأسر والهوان والتدمير على أيدي البابليين الذين محوا دولتهم من الوجود، وأحرقوا كتابهم المقدس، ودمّروا هيكلهم تدميراً، وكذلك ضربة الرومان القاصمة التي قضت على وجودهم في فلسطين قضاءً مبرماً، وشرّدتهم في الأرض شذر مذر، كما قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: 168].
ولو مشينا على التفسير الجديد، لكان معناه أن القرآن لم يشر إلى هذه الأحداث الكبيرة والهائلة في تاريخ بني إسرائيل، مع ما كان لها من آثار مادية ومعنوية في حياتهم الدينية والسياسية والاجتماعية، ومع عناية القرآن بتاريخ القوم.
والواضح أنهم اليوم يقعون تحت القانون الإلهي المتمثل في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: 8]، وهاهم قد عادوا إلى الإفساد والعلو والطغيان، وسنة الله تعالى أن يعود عليهم بالعقوبة التي تردعهم وتؤدبهم، وتُعرّفهم قدر أنفسهم، كما قال الشاعر:
إن عادت العقرب عُدنا لها … وكانت النعل لها حاضرة !
يؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: 167].
وهذا الدمار الأول – الذي تمَّ على أيدي البابليين، وتحدث عنه القرآن الكريم على النحو الذي نراه – كان بالغ التأثير على اليهود… فقد أزال معظم الوجود اليهودي من فلسطين. وظهر من السهولة التي أجلى بها البابليون سكان (منطقة إسرائيل)، على يد (سرجون)، ثم سكان (منطقة يهوذا) على يد (نبوخذ نصر). أن جذور هؤلاء القوم لم تكن عميقة في أرض فلسطين. وإذا استثنينا المعبد وقصر سليمان، فلا تكاد تذكر لهم آثار خلال تسعة قرون قبل هذا الإجلاء. وكلُّ ما يمكن أن نقوله: إنهم أقاموا في جزء من أرض كنعان، بما فيها من قرى صغيرة… وحتى المدن كانت أشبه بالقرى، باستثناء أورشليم وشكيم (نابلس).
*الفتح الإسلامي للقدس:*
وقد فتح المسلمون القدس في عهد عمر، كما ذكرنا من قبل، ولم يتسلَّموها من اليهود، بل لم يكن فيها يهودي واحد، فقد حرَّمها الرومان عليهم، بعد أن أنهوا وجودهم قبل أربعة قرون، وكان من الشروط التي أقرَّها عمر لبطريك القدس: ألا يساكنهم فيها يهود.
وظلَّ العهد العمري محترماً معمولاً به خلال التاريخ الإسلامي، لأن المسلمين مأمورون أن يتَّبعوا سنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، ولا ريب أن عمر منهم، إلى أن ظهر عهد آخر مزوَّر على عمر رضي الله عنه، حُذف منه النصُّ بعدم إقامة اليهود في بيت المقدس، ولا ندري متى زُوِّر هذا العهد(٢)، ومن ثَمَّ بدأ التسلُّل اليهودي إلى المدينة المقدَّسة في غفلة من المسلمين، ولكنهم كانوا أقلية صغيرة لا وزن لها، في أوائل القرن العشرين.
وقد ذكر لنا تاريخ الحروب الصليبية: ماذا أصاب المدينة المقدَّسة عندما احتلَّها الصليبيون، وقتلوا ستين ألفاً في مسجدها، وبقيت تحت أيديهم تسعين عاماً، إلى أن حرَّرها القائد المسلم المظفَّر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله.[انتهى]
____
ظهر من خلال هذا التأويل «الصحيح» لهذه الآيات علو بني «إسرائيل» وإفسادهم، أنه قد حدث.. أما إسرائيل «هذه» فقدرها أن تُهزم.. وأن حالها الآن تنطبق عليها آية «وإن عدتم عدنا».
– فها قد عادوا، وها نحن قد عُدنا.. فعادوا ومعهم الشيطان.. وعُدنا ومعنا الله.. والنصر حليفنا.. وإن ينصركم الله فلا غالب لكم. وسلام القدس عليكم!
محمد القيفي
