في كل مرة يدخل فيها لبنان طوراً جديداً من المواجهة مع العدو الصهيوني يعود الخطاب نفسه إلى الواجهة. الحديث عن خرق الإرادة الوطنية، وعن تجاوز قرار الدولة، وعن مغامرة تقرر الحرب خارج المؤسسات. يبدو هذا الخطاب في ظاهره دفاعاً عن السيادة، لكنه يخفي في عمقه سؤالاً أكثر جوهرية. ما هي هذه الإرادة الوطنية اللبنانية أصلاً، ومن يحددها، وعلى أي أساس تُعرّف.
في بلد مثل لبنان يتشكل نظامه السياسي على قاعدة طائفية ويقوم اقتصاده على نموذج ريعي مالي شديد الارتباط بالمراكز الرأسمالية الغربية يصبح مفهوم الإرادة الوطنية مفهوماً ملتبساً بطبيعته. الإرادة الوطنية ليست فكرة مجردة تطفو فوق المجتمع وليست روحاً غامضة تنطق باسم الأمة. في التحليل المادي للتاريخ هي تعبير سياسي عن ميزان القوى بين طبقات اجتماعية متناقضة المصالح. الدولة في المجتمعات الرأسمالية التابعة ليست حكماً محايداً بين هذه المصالح بل جهازاً سياسياً ينظم هيمنة طبقة اجتماعية بعينها ويمنحها طابع الشرعية العامة.
في الحالة اللبنانية تشكلت هذه الطبقة عبر تاريخ طويل من الارتباط بالاقتصاد العالمي. طبقة مصرفية وتجارية ومالية لا تنتج اقتصاداً وطنياً بقدر ما تعيد تدوير رأس المال العالمي داخل السوق اللبنانية. طبقة كومبرادورية بالمعنى الدقيق للكلمة ازدهرت في ظل نموذج اقتصادي يقوم على الخدمات والوساطة المالية والسياحة والتحويلات. نموذج يحتاج قبل كل شيء إلى الاستقرار الإقليمي والانفتاح على الغرب.
ضمن هذا الأفق لا تُقرأ المواجهة مع المشروع الصهيوني بوصفها مسألة سيادة أو تحرر وطني بل بوصفها تهديداً مباشراً لنموذج اقتصادي كامل. تهديداً للاستقرار الذي يضمن تدفق الرساميل وللدور الذي يؤديه لبنان داخل منظومة الاقتصاد العالمي. من هنا ينبع جزء كبير من الخطاب الذي يتحدث عن الإرادة الوطنية. يتحول هذا المفهوم إلى صيغة أيديولوجية للدفاع عن مصالح طبقية محددة. مصالح نخبة سياسية ومالية تخشى أن يؤدي أي صراع مفتوح مع إسرائيل إلى تقويض موقعها الاقتصادي والاجتماعي.
المفارقة أن هذه الإرادة الوطنية المفترضة تُستحضر دائماً عندما يتعلق الأمر بالمقاومة. لكنها تختفي تماماً عندما يخرق الطيران الإسرائيلي الأجواء اللبنانية يومياً أو عندما تُقصف الأراضي اللبنانية أو عندما يفرض العدو وقائع أمنية وعسكرية على الحدود. كأن السيادة تُختزل في قرار الحرب عندما يكون مصدره قوة مقاومة لكنها لا تُستدعى عندما يمارس العدو ذاته العدوان بصورة مستمرة.
هنا يظهر التناقض البنيوي في خطاب الحياد اللبناني. الحياد يفترض وجود طرفين يعترفان به. لكن المشروع الصهيوني منذ نشأته قام على منطق استعماري استيطاني لا يعترف بحياد أحد في المنطقة. التاريخ القريب للبنان يقدم دليلاً واضحاً على ذلك. لبنان لم يكن في حالة حرب عندما اجتاحت إسرائيل أراضيه عام 1982 ووصلت دباباتها إلى بيروت. ومع ذلك وقع الاحتلال. فكرة أن لبنان يستطيع ببساطة أن يبقى خارج الصراع ليست حقيقة جيوسياسية بل تعبير سياسي عن رغبة طبقة اجتماعية في تجنب كلفة المواجهة.
يتكرر التناقض نفسه عندما يُطرح سؤال التوقيت. لماذا دخلت المقاومة المعركة الآن. يفترض هذا السؤال أن لبنان كان يعيش خارج الحرب قبل ذلك. الحقيقة أن الصراع مع إسرائيل لم يتوقف يوماً وأن ميزان الردع الذي نشأ عبر عقود من المواجهة هو الذي منع تحوّل لبنان مجدداً إلى ساحة مفتوحة للاجتياحات.
حتى إذا افترضنا جدلاً أن دخول المعركة يرتبط بحسابات تتعلق بتسوية سياسية محتملة فإن منطق السياسة الدولية نفسه يقول إن التسويات لا تُصنع على أساس النوايا الحسنة بل على أساس موازين القوى. لا أحد يدخل إلى طاولة المفاوضات من موقع الضعف ويحصل على تسوية عادلة. بل يحصل على إملاءات.
أما الرهان على إمكانية تحويل إسرائيل إلى جار طبيعي عبر تجنب المواجهة هو رهان يناقض تجربة المنطقة خلال العقود الماضية. بعد معاهدات السلام(الإستسلام) التي وقعتها مصر والأردن مع إسرائيل لم يتغير السلوك البنيوي للمشروع الصهيوني. لم يتوقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية ولم يتوقف العدوان الدوري على غزة. إسرائيل لم تتحول إلى دولة طبيعية داخل المنطقة بل إلى قوة مهيمنة مدعومة من الغرب تسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بما يخدم مصالحها.
لكن النقطة الأكثر عمقاً في الجدل اللبناني لا تتعلق بإسرائيل وحدها بل بطبيعة النظام اللبناني نفسه. المقاومة بوجودها العسكري والسياسي لا تمثل فقط قوة ردع في مواجهة العدو بل تمثل أيضاً اختلالاً في بنية النظام الطائفي. هذا النظام صُمم تاريخياً ليكون ضعيفاً عسكرياً ومجزأً سياسياً. دولة تدير التوازنات بين الطوائف أكثر مما تدير مشروعاً سيادياً موحداً.
عبدالله عبدالله/باريس