لم يعد النقاش حول مستقبل الكيان الصهيوني محصورًا في الأوساط العربية أو في الخطاب السياسي التقليدي، بل أصبح موضوعًا حاضرًا في مراكز الأبحاث الغربية وتحليلات كبار الخبراء العسكريين والاقتصاديين. فالمشروع الذي قُدّم لعقود بوصفه “الدولة الأقوى في المنطقة” و“النموذج الأكثر استقرارًا” يواجه اليوم سلسلة من التصدعات العميقة التي تضرب أساس وجوده. هذه التصدعات لا تظهر في جبهة واحدة، بل تمتد إلى الركائز الثلاث التي قام عليها الكيان منذ لحظة تأسيسه: التفوق العسكري–الأمني، التفوق الاقتصادي–التقني، والتفوق العرقي–الديني. ومع تراجع هذه الركائز بالتوازي، تتكشف صورة كيان يفقد عناصر بقائه من الداخل والخارج، في لحظة تاريخية تتسارع فيها التحولات الإقليمية والدولية.
الركائز الثلاث لوجود الكيان… تفكك بنيوي يتسارع في كل الاتجاهات
التفوق العسكري–الأمني: الركيزة التي اهتزت من أساسها
منذ تأسيسه، اعتمد الكيان الصهيوني على التفوق العسكري–الأمني باعتباره الركيزة الأولى والأهم لوجوده. هذا ما يؤكده المحلل العسكري الدكتور عمر معربوني الذي يرى أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية بُنيت على ثلاث مبادئ مركزية: الردع المطلق، والإنذار المبكر، والحسم السريع. هذه المبادئ لم تكن مجرد خيارات عملياتية، بل كانت الأساس الذي قامت عليه صورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وهي الصورة التي منحت الكيان القدرة على جذب المهاجرين، وطمأنة المجتمع الداخلي، وإقناع الغرب بأن المشروع قابل للاستمرار.
لكن السنوات الأخيرة كشفت تصدعات عميقة في هذه الركيزة. الردع تراجع أمام ضربات المقاومة في غزة ولبنان واليمن، والإنذار المبكر فشل أمام عمليات مفاجئة أربكت المؤسسة الأمنية، أما الحسم السريع فقد أصبح مستحيلًا، وتحولت الحروب إلى استنزاف طويل يضرب العمق الداخلي ويكشف هشاشة الجبهة الداخلية. ويشير د. معربوني إلى أن الكيان فقد القدرة على فرض المعادلة التي كانت تمنحه الهيبة، وأن أي مواجهة كبرى اليوم ستكون أثمانها عليه أعلى بكثير مما كانت عليه في الماضي، بينما تتراجع كلفتها على خصومه مع مرور الوقت.
التفوق الاقتصادي–التقني: اقتصاد مدعوم يفقد شروط بقائه
الركيزة الثانية لوجود الكيان كانت دائمًا تفوقه الاقتصادي والتقني، وهو تفوق لم يكن طبيعيًا، بل صُنع سياسيًا عبر دعم أمريكي وغربي ضخم، واندماج مميز في الأسواق العالمية، وتحويل البيئة الأمنية إلى مختبر لصناعات السلاح والتجسس. هنا يبرز تحليل الاقتصادي الأمريكي الدكتور ريتشارد وولف الذي يرى أن اقتصاد الكيان ليس اقتصادًا منتجًا بالمعنى التقليدي، بل اقتصادًا يعتمد على الدعم الخارجي، وعلى شبكة مصالح مالية–سياسية عابرة للحدود.
اليوم، يتعرض هذا النموذج لهزات عميقة. الكفاءات العلمية والتقنية تغادر بوتيرة متسارعة، والاستثمارات تتراجع بسبب انعدام الاستقرار، والميزانية تُستنزف بفعل الحروب الطويلة، بينما يتراجع الابتكار مع تفكك البيئة العلمية. ويشير وولف إلى أن الكيان فقد أهم عنصر كان يمنحه جاذبيته الاقتصادية: الاستقرار. ومع تراجع التفوق العسكري، يفقد الاقتصاد ضمانته الأساسية، ويتحول من رافعة قوة إلى عبء استراتيجي يضغط على بنية الدولة.
التفوق العرقي–الديني: بنية أيديولوجية تتهاوى أمام الواقع
الركيزة الثالثة التي قام عليها الكيان هي التفوق العرقي–الديني، القائم على فكرة “الشعب المختار” وشرعنة الاستيطان ونظام الفصل العنصري. هذه البنية الأيديولوجية كانت تمنح المشروع تماسكًا داخليًا وتبريرًا خارجيًا، لكنها اليوم تواجه انهيارًا أخلاقيًا وسياسيًا غير مسبوق. صورة “الضحية” التي اعتمد عليها الكيان لعقود انهارت أمام العالم، وخطاب الأبارتهايد أصبح جزءًا من النقاش الدولي، بينما تُبث الجرائم لحظة بلحظة، ما أفقد المشروع شرعيته الأخلاقية.
في الداخل، تتعمق الانقسامات بين علمانيين وحريديم، وأشكناز وشرقيين، ومستوطنين وسكان المدن. ومع تراجع القوة العسكرية، يصبح الحفاظ على الامتياز العرقي مهمة شبه مستحيلة، لأن هذا الامتياز كان يستند أساسًا إلى قوة الردع وإلى الدعم الغربي غير المشروط.
مجتمع مفكك: فسيفساء شعوب لا شعب واحد
وراء الركائز الثلاث، يقف واقع اجتماعي أكثر هشاشة مما يبدو على السطح. فالكيان ليس مجتمعًا متجانسًا، بل فسيفساء من المجموعات التي لا يجمعها مشروع وطني واحد. الروس يعيشون بلغتهم وإعلامهم ومدارسهم، والإثيوبيون يعانون تهميشًا ممنهجًا، والمزراحيم يحملون إرثًا طويلًا من التمييز، بينما يفقد الأشكناز سيطرتهم التاريخية. الحريديم يعيشون في عالم مغلق لا يعترف بالدولة العلمانية، والمستوطنون يدفعون نحو مشروع توراتي يتناقض مع فكرة “الدولة الحديثة”.
هذه المجموعات لم يجمعها يومًا سوى الخوف المشترك، ومع تراجع الردع، ينهار الرابط الوحيد بينها، ما يجعل التفكك الداخلي احتمالًا واقعيًا لا سيناريو نظريًا.
الكيان كأداة لشبكات النفوذ: الدور الوظيفي الذي ينكشف
إلى جانب الركائز الثلاث، يتعامل كثير من الباحثين مع الكيان باعتباره أداة لشبكات نفوذ عالمية تشمل مؤسسات مالية وإعلامية، وشبكات فساد إداري ومالي، وأجهزة استخبارات، وسياسيين مرتهنين. هذه الشبكات استخدمت الكيان لتنفيذ الأعمال القذرة في المنطقة والعالم، لكن المفارقة أن الولايات المتحدة نفسها أصبحت ضحية لهذه الشبكات، مع ديون تتجاوز ٣٨ تريليون دولار، وتراجع في التفوق الصناعي والتقني، وانقسام داخلي حاد.
ومع انكشاف دور الكيان، تتراجع قدرته على العمل كأداة، وتبدأ الشبكات نفسها في الاهتزاز، ما يضيف طبقة جديدة من الضعف إلى بنية المشروع.
خاتمة: سقوط يتسارع من كل الجهات
تتراجع اليوم الركائز الثلاث التي قام عليها الكيان: القوة العسكرية، والاقتصاد المدعوم، والامتياز العرقي. وفي الوقت نفسه، يتفكك المجتمع من الداخل، وينكشف الدور الوظيفي عالميًا، وتتراجع الشرعية الأخلاقية. هذا التراجع المتزامن يجعل السقوط مسارًا جاريًا، لا احتمالًا نظريًا. قد يأتي عبر صدمة عسكرية، أو تفكك داخلي، أو فقدان الدور العالمي، أو مزيج من الثلاثة، لكن المؤكد أن الكيان لم يعد قادرًا على الحفاظ على الأسس التي بُني عليها، وأن الزمن لم يعد يعمل لصالحه.
د سائد عساف
٧ فبراير ٣٠٢٦
