الحكيم وجرس السياسة
مروان عبد العال
على مدى يومين كاملين، لم يهدأ صوت الحكيم. كان يحاور في اجتماعٍ صاخبٍ للجنة المركزية العامة بلا انقطاع، كأن الزمن نفسه عالق في قاعة الاجتماع. لم يكن غضبه انفعالاً عابراً، بل معرفةً مُرّة. قالها بوضوحٍ لا يحتمل اللبس: اتفاق أوسلو ليس تسوية، بل مشروع فتنة داخلية، صُنع ليُصفّي القضية الفلسطينية ويُدمّر المشروع الوطني الفلسطيني من جذوره. كان صوته يرتفع حيناً ويهبط حيناً، لكن حدّته ثابتة؛ حدّة من يرى أبعد من اللحظة ويخاف مما بعدها.
لم يكن غضبه محظوراً، بل مباحاً إلى حدّ الخوف. خوفٌ صريح من أن يقود الاتفاق إلى حرب أهلية فلسطينية، وإلى انقسام عمودي للشعب الفلسطيني، يقطع الناس إلى معسكرات لا يلتقي ظلّها. دار النقاش حول المفردات: هل ما جرى خيانة أم تصفية؟ قال الحكيم إن “الخيانة” تعبير أخلاقي، يجرح الضمير قبل السياسة، بينما “التصفوي” توصيف سياسي يُعرّي الفعل من زخرفته. اختلفوا في التسمية، لكنهم اتفقوا على خطورة ما يحدث.
ثم جاء السؤال الأصعب، السؤال الذي يخلخل الرؤوس والكراسي معاً: ما العمل؟
تعددت المداخلات. من قال بمقاطعة حركة فتح، ومن رأى أن المقاطعة يجب أن تطال المفاوضين الذين وقّعوا الاتفاق. هنا شدّد الحكيم، بإصرارٍ لم نعهده، على خيارٍ أثقل من الجميع: مقاطعة القائد العام، ياسر عرفات (أبو عمار) شخصياً، ووقف أي تواصل معه، مهما كان نوعه، إلى حين التراجع عن الاتفاق الذي وُصف بشتى النعوت. لم يكن القرار سهلاً، لكنه بدا، في نظره، الطريق الوحيد لوقف الانزلاق.
عند التصويت، رفع الحكيم يده بالموافقة. قال بصرامة إن أي خلل أو تراخٍ في تنفيذ القرار، وأي خرقٍ له، ستكون العقوبة بانتظار من يرتكبه. حينها بدا الإرهاق واضحاً على وجهه: عينان متعبتان، حاجبان معقودان، وملامح تشبه شتاءً طويلاً. استأذن بالمغادرة. خرج معه الرفيق “نصّار” من اللجنة المركزية، ومن المقرّبين له ومدير مكتبه، وأوصله إلى البيت. هناك، لم يكن الحكيم على ما يرام، فطلب منه أن يدخل معه.
بعد ساعتين من مغادرة الحكيم جورج حبش، انتهت الجلسة التي أكمل إدارتها نائب الحكيم، الرفيق أبو علي مصطفى. طُلب من الرفيق “نصّار”، عند عودته، أن يطمئننا عن صحة الحكيم. ذهبنا إلى استراحة مخيم اليرموك، وجلسنا ننتظر.
عاد الرفيق ضاحكاً، يكاد لا يستطيع الكلام. هدّأنا ضحكته وسألناه: ما بك؟ كيف حال الحكيم؟ هل ما زال غاضباً أم متعباً؟ قال: لم أتوقع ما حدث. وألححنا: حدّثنا.
قال: دخلنا البيت، وطوال الطريق لم ينطق الحكيم بكلمة. جلس على الكنبة، طلب كوب عصير برتقال، شرب منه جرعة… وإذا بجرس الهاتف المنزلي يرن. مددت يدي لأرفع السماعة، فسبقني وقال: ألو… نعم… وفجأة تغيّر وجهه، انقلب على عجل إلى حالة أخرى. كان يردّ على تهنئة بعيد ميلاد المسيح، يشكر ويتمنى أن يعيده الله على شعبنا بالخير والنصر. وضع السماعة، والابتسامة تملأ وجهه. قلت له: سامحنا يا حكيم، نسينا العيد ولم نهنئك. صمت، عيناه مغرورقتان، وخدّاه محمران، والابتسامة ما زالت على ثغره.
سأله الرفيق نصّار : ومن كان على الطرف الآخر؟
قال الحكيم بهدوءٍ مدهش: لقد تفاجأت حقاً… كان الأخ ياسر عرفات، أبو عمار. ثم أضاف مبتسماً: قال لي: أخي جورج، عيد ميلاد مجيد وينعاد علينا بالقدس وفي كنيسة القيامة. فتذكّرت قرار المقاطعة، وكدت أُسقط السماعة من يدي، لكنني أجبته.
ضحكنا معاً.
وفي تلك اللحظة، فهمنا أن السياسة قد تقسو حتى الصلابة، لكن جورج حبش حين يرنّ الجرس يظلّ إنساناً.
ومع ذلك المسؤولية المؤجَّلة ما زالت تُلاحقنا: انقسامٌ قائم، وشرخٌ مفتوح، ووطنٌ يُباد فيما يُدار الخلاف كأن الدم الفلسطيني تفصيلٌ ثانوي، والنزيف لم يتوقف بعد!
مفكرة العدد الجديد من مجلة الهدف – الحقيقة كل الحقيقة للجماهير – فلسطين المحتلة
صدر اليوم الأربعاء 04/02/2026 عدد يناير / كانون ثاني، العدد (1553) بالتسلسل العام والتّاسع والسّبعون رقميًا في النسخة الرقمية…
