في الآونة الأخيرة، أُثير جدل واسع بعد الكشف عن مراسلات نُسبت إلى جيفري إبستين، أظهرت اهتمامه المحتمل بتمويل مشروع علمي بالغ الخطورة والحساسية، يتمحور حول تعديل الجينات البشرية. هذه المراسلات لا يمكن التعامل معها على أنها مجرد نقاش علمي عادي، لأنها تمس جوهر الإنسان، وتفتح الباب أمام أسئلة أخلاقية وقانونية وإنسانية عميقة.
بحسب ما ورد في تلك الرسائل، ناقش إبستين مع المبرمج برايان بيشوب إمكانية دعم مشروع يهدف إلى “تحسين الصفات الوراثية” للنسل البشري، بالتعاون مع مختبر يقع في أوكرانيا. ولم يقتصر الحديث على أبحاث نظرية أو تجارب محدودة، بل امتد إلى طموحات أكثر جرأة وخطورة، شملت العمل على تقنيات تعديل الأجنة البشرية، بل وحتى التطرق إلى احتمالات الاستنساخ البشري.
وتشير إحدى الرسائل إلى أن بيشوب كان يجري بالفعل تجارب مخبرية على الفئران داخل مختبره في أوكرانيا، في إطار خطوات تمهيدية للمشروع. كما تضمنت مراسلات أخرى وثائق وجداول يُعتقد أنها توضّح تصورًا أوليًا لتوزيع التمويل المقترح على شركة ناشئة متخصصة في مجال التعديل الوراثي للأجنة.
وفي رسالة لافتة، عبّر بيشوب عن طموح يتجاوز حدود البحث العلمي التقليدي، معتبرًا أن هذه المرحلة قد تشكل نقطة تحول حاسمة. إذ أشار إلى أن الانتقال من أبحاث ضعيفة التمويل إلى تحقيق أول ولادة لطفل معدل وراثيًا — وربما مستنسخ بشري — قد يصبح ممكنًا خلال فترة لا تتجاوز خمس سنوات.
هذه المعطيات تفتح الباب أمام تساؤلات أخلاقية خطيرة حول مستقبل الهندسة الوراثية، وحدود التدخل في الطبيعة البشرية، ودور رأس المال الخاص في توجيه هذا النوع من الأبحاث بعيدًا عن الرقابة العلمية والقانونية الصارمة. كما تعيد إلى الواجهة المخاوف من استغلال التقدم العلمي في مشاريع قد تنتهك الكرامة الإنسانية، وتعرض البشرية لمخاطر غير محسوبة العواقب.
العواقب المحتملة لمثل هذه المشاريع
العواقب المحتملة لا تقتصر على الجانب العلمي فقط، بل تمتد إلى أبعاد أخلاقية وقانونية واجتماعية وإنسانية وسياسية شديدة الحساسية، ويمكن توضيحها على عدة مستويات مترابطة:
أولًا: أخلاقية
التدخل المباشر في الجينات البشرية، خصوصًا على مستوى الأجنة، يفتح بابًا خطيرًا للتلاعب بالطبيعة الإنسانية. فهو يطرح أسئلة جوهرية حول حق الإنسان في أن يولد دون “تصميم مسبق”، ويحوّل عملية الإنجاب من فعل إنساني طبيعي إلى مشروع هندسي تحكمه معايير انتقائية. هذا المسار قد يؤدي إلى إحياء أفكار تحسين النسل والتمييز الوراثي، وهي أفكار أثبت التاريخ خطورتها على الإنسانية.
ثانيًا: الصحية والعلمية
التقنيات الحالية لتعديل الجينات لا تزال محفوفة بالمخاطر وعدم اليقين. أي تعديل غير مقصود في الحمض النووي قد يؤدي إلى أمراض وراثية جديدة أو تشوهات تنتقل عبر الأجيال. والخطر الأكبر أن الخطأ في هذا المجال لا يقتصر على فرد واحد، بل قد يؤثر على مستقبل السلالة البشرية ككل، وهو ما يجعل هذا النوع من المشاريع العلمية شديد الخطورة.
ثالثًا: القانونية
معظم دول العالم تجرّم أو تقيّد بشدة تعديل الأجنة البشرية والاستنساخ. تنفيذ مثل هذه المشاريع خارج الأطر القانونية قد يؤدي إلى ملاحقات جنائية، وإغلاق مختبرات، وفرض عقوبات دولية على الجهات أو الدول المتورطة، إضافة إلى فقدان الثقة بالمؤسسات العلمية. ومع ذلك، يبرز تساؤل خطير: ماذا لو نُفذت هذه المشاريع تحت غطاء قوانين أو تشريعات صُممت لحماية مصالح نخبوية تسعى، وفق هذا التصور، إلى إعادة تشكيل العالم وفرض ما يُعرف بمفهوم “المليار الذهبي”؟
رابعًا:الاجتماعية
في حال نجاح هذه التقنيات، قد يصبح “التحسين الجيني” حكرًا على فئات محددة من المجتمع، خاصة الأثرياء وأصحاب النفوذ. وهذا قد يؤدي إلى نشوء طبقية بيولوجية غير مسبوقة، تُقسم البشر على أساس وراثي، وتهدد مبدأ المساواة، وتعيد البشرية إلى شكل جديد من الجاهلية، لكن بوسائل حديثة وطبيعة مختلفة.
خامسًا:الإنسانية والسياسية
استغلال العلم لتحقيق مكاسب خاصة أو سلطوية قد يحوّل الإنسان إلى مجرد أداة تجارب أو منتج قابل للتعديل. كما أن تورط جهات نافذة في مثل هذه المشاريع يضعف الثقة العالمية بالعلم، ويغذي نظريات المؤامرة، ويزيد من حدة التوترات السياسية والدولية. ورغم ذلك، يُقدَّم هذا النوع من الأبحاث في بعض وسائل الإعلام الغربية على أنه “بحث علمي عادي”، ما يساهم في تضليل الرأي العام والتقليل من خطورته الحقيقية.
في المحصلة، لا تتعلق القضية فقط بما يمكن أن ينجزه العلم، بل بما قد يخسره الإنسان من قيمه وكرامته إذا تُركت هذه الأبحاث دون ضوابط أخلاقية وقانونية صارمة. فالتقدم العلمي الحقيقي لا يكون على حساب الإنسانية، بل يجب أن يكون في خدمتها، لا أداة لإعادة تشكيلها وفق مصالح قلة قليلة على حساب مستقبل البشرية جمعاء.
أسد نصر_الساحل السوري/سوريا الكبرى
