أميركا وإيران وخليج الخنازير
ناصر قنديل

نادراً ما تبدأ الحروب الكبرى بقرار معلن ونهائي منذ اللحظة الأولى. في الغالب، يسبقها مسار طويل من التصعيد، الحشود، والتهديدات، يتداخل فيه العسكري بالسياسي، ويظل السؤال معلقًا: هل نحن أمام تمهيد لحرب، أم أمام اختبار حدود القوة تمهيدًا للتفاوض؟ هذا السؤال ليس نظريًا، بل تكرّر في نماذج تاريخية حاسمة، ويعود اليوم بقوة في مشهد التوتر الأميركي الإيراني المتصاعد.

التاريخ يبيّن أن العلاقة بين الحرب والتفاوض ليست خطيّة. أحيانًا يكون التصعيد أداة واعية لفرض تسوية، وأحيانًا أخرى يكون مسارًا فعليًا لا يُفتح باب السياسة إلا بعد أن تنكشف خطورة الحرب وعدم قابلية ضبطها. المثال الأوضح هو أزمة الصواريخ الكوبية المعروفة بأزمة خليج الخنازير العام 1962. يومها بلغ التصعيد ذروته: حصار بحري، جاهزية نووية، وإنذارات متبادلة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على خلفية نشر صواريخ نووية في كوبا رداً على مخاطر اجتياح أميركي للجزيرة الشيوعية، حيث لم يكن الهدف المعلن هو التفاوض، ولم تكن القنوات الخلفية هي نقطة الانطلاق. التفاوض وُلد لاحقًا، عندما أدرك الطرفان أن الحرب النووية لا يمكن التحكم بنتائجها، وأن أي خطأ حسابي قد يقود إلى دمار شامل. هنا، لم يكن التراجع ضعفًا، بل نتيجة خوف عقلانيّ من كارثة غير قابلة للاحتواء، وجاءت التسوية بصرف واشنطن النظر عن الاجتياح مقابل تفكيك موسكو للصواريخ.

نموذج مختلف لكن قريب في المنطق هو الأزمة الأميركية – الكورية الشمالية بين 2017 و2018. عندما بلغت التهديدات مستوًى غير مسبوق، وامتلأت المنطقة بالتجارب الصاروخية والمناورات العسكرية فرفعت منسوب القلق العالمي. لم يكن التصعيد مسرحيًا، بل حقيقيًا وخطيرًا. ومع تراكم المخاطر، ووضوح أن أي مواجهة ستكون نووية أو شبه نووية، فُتحت فجأة قنوات سياسية كانت مغلقة، وانتهى المشهد بقمة مباشرة وتجميد جزئي للتصعيد. والتفاوض هنا لم يكن هدفًا أوليًا، بل نتيجة إدراك متأخر بأن الحرب خيار غير مضمون.

على الضفة الأخرى، يقف نموذج حرب العراق عام 2003 كنقيض صارخ. الحشود الأميركية، والضغط السياسي، والتحركات الدبلوماسية، لم تكن أدوات اختبار أو مسارًا مفتوحًا على التراجع، بل غطاءً لقرار حرب متخذ سلفًا. ورغم التحذيرات من الكلفة وعدم استقرار “اليوم التالي”، وهو ما ثبتت صحته لاحقاً باعتراف أميركي بأن الحرب كانت مشروعاً فاشلاً لم يضمن المصالح وفتح المنطقة على تداعيات خطيرة، لكنه لم يبد لصانع القرار الأميركي كذلك عندما زينت له نفسه فرصة الانقضاض ففعل، ولم يتحول التصعيد إلى قلق داخلي كافٍ لوقف المسار. هنا فشل التفاوض لأنه لم يكن مطروحًا أصلًا، وكانت الحرب هي الغاية لا المخاطرة.

هناك نماذج وسطية، مثل أزمة مضيق هرمز بين 2019 و2020، حيث بلغ التصعيد مستوًى خطيرًا باغتيال اللواء قاسم سليماني، لكنه توقف عند حدود معيّنة، وأُعيد ضبط الإيقاع عبر وساطات غير معلنة. هذا النموذج يُظهر كيف يمكن للتصعيد أن يتحول إلى أداة لإعادة رسم قواعد الاشتباك، لا لكسرها، حيث فتحت واشنطن الباب لرد إيراني استهدف قاعدة عين الأسد وردت واشنطن باحتواء الضربة وتحمّل الإهانة المعنوية والقول إن خسارة إيران كافية وإنه طالما لم يترتب على الضربة الإيرانية سقوط ضحايا فلا حاجة للرد.

السؤال الراهن هو أين تقف الحالة الأميركية – الإيرانية من بين النماذج المتعددة لفرضيات الحرب والتفاوض؟ من بين فرضيتين رئيسيتين تتنافسان. الفرضية الأولى ترى أن التصعيد الحالي هو مسار اختبار: حشود، تهديدات، واستعراض قوة، بهدف قياس ردود الفعل الإقليمية والدولية، ثم الانتقال إلى تفاوض بشروط محسّنة. هذه الفرضية تستند إلى كلفة الحرب المتوقعة: توسّع إقليمي، اضطراب أسواق الطاقة، تهديد الملاحة، وانعدام أي سيناريو واضح للحسم أو لتغيير النظام في إيران، أما الفرضية الثانية فتحذّر من أن التصعيد قد ينزلق إلى مواجهة غير مقصودة. بالتراكم، وسوء التقدير، وضغط الحلفاء، أو حادث ميداني غير محسوب، قد يكسر قواعد الاشتباك القائمة. في هذه الحالة، لا تكون الحرب خيارًا مدروسًا، بل نتيجة فشل إدارة التصعيد. هذا السيناريو لا يشبه العراق، لأن قرار الحرب الشاملة غير متخذ، لكنه قد يشبه نماذج تاريخية انفجرت فيها الصراعات رغم غياب نية أولية للحرب.

الحالة الأميركية – الإيرانية معقّدة لأنها تقع بين النموذجين. لا توجد مؤشرات حاسمة على قرار حرب، ولا توجد في المقابل تسوية جاهزة.

التفاوض، إن حدث، لن يكون ثمرة تخطيط مسبق، بل نتيجة لحظة إدراك متبادل بأن الحرب، إذا اندلعت، ستكون أطول وأخطر وأقل قابلية للضبط مما يفترض الطرفان، والتفاوض لن ينتج حلاً جذرياً بل إدارة أزمة وربط نزاع، فهل يصل الطرفان إلى هذه اللحظة قبل فوات الأوان، كما في كوبا وكوريا، وهل يلعب الرئيس التركي رجب أردوغان دور السلم لنزول الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن شجرة الحرب، ويفتح

الباب للتفاوض نحو أنصاف حلول تبرر صرف النظر عن الحرب، أم يتأخر الإدراك، فينزلق التصعيد إلى مسار يصعب وقفه كما يرغب بنيامين نتنياهو رغم كل الوقائع التي تقول إن “إسرائيل” سوف تدفع الثمن الأكبر للحرب في حال وقوعها؟ التاريخ لا يقدّم ضمانات، لكنه يعلّم أن أخطر الحروب ليست تلك التي يُخطَّط لها بثقة، بل تلك التي تبدأ باعتقاد أنها ما زالت قابلة للسيطرة.
الكل في المنطقة وربما في العالم، يتمنى أن تكون المواجهة الإيرانية الأميركية نسخة منقحة عن مواجهة واشنطن وموسكو في خليج الخنازير!