الكل يتابع اليوم ما يحدث بين السعودية والإمارات على أرض اليمن، ويجد الإعلام العربي نفسه في مأزق حقيقي في كيفية صياغة الخبر ورواية الحقائق بتجرد. فالتسييس الشديد للأحداث يجعل من الصعب تقديم صورة واضحة، خاصة أن هاتين الدولتين بحكامهما تدوران في فلك الغرب، كحليفتين رئيسيتين للولايات المتحدة الأمريكية. فكيف لهما إذن أن تتصارعا بينما تحالفهما مع أمريكا يُفترض أن يجعل من الصراع بينهما أمراً غير منطقي؟
هذا هو المأزق الحقيقي، إذ إن المصالح الغربية تحكم المشهد في دول غرب آسيا، خاصة في تلك الدول التي تسير في بحر الغرب الذي تسيطر عليه أمريكا. هناك مشروعان غربيان يتشابكان في المنطقة: الأول هو مشروع السيطرة الاقتصادية والتجارية على ثروات العالم، وتلعب السعودية دورًا كبيرًا فيه، بينما المشروع الثاني هو تقسيم الدول العربية عبر إنشاء ما يُعرف بـ(إسرائيل) الكبرى، ويشارك في هذا المشروع الإمارات.
ومن هنا تظهر أزمة السعودية التي وجدت نفسها مضطرة للوقوف في وجه هذا المشروع الثاني، حفاظًا على نفسها وأمنها، بينما تثبت الإمارات، التي أصبحت تكرس نفسها كـ(إسرائيل) العربية الثانية، أنها مستمرة في دعم هذا المشروع الذي يهدد وحدة المنطقة. وفي كل مرة تؤكد الإمارات دورها ككيان منافس يهدد الاستقرار.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل أمريكا لا تعلم ما يحدث؟ أم أنها تراقب عن بعد برضا لأنها تحقق مصالحها عبر هذا الصراع؟ الواقع يقول إن النتيجة النهائية لخلاف السعودية والإمارات على اليمن تخدم بالتأكيد أجندة الغرب، وهذا هو أقصى ما تطمح إليه الولايات المتحدة.
الغريب أن بعض الدول والأنظمة لم تتعلم بعد أن تكلفة التحالف مع أمريكا والاستسلام لإسرائيل تفوق بكثير تكلفة مواجهتهما، فعندما تنتهي المصلحة، تُمحى كلمات الحلف والتحالف من القواميس، كما حدث سابقًا في باكستان، وحتى في أوكرانيا. وكان مصير من ساند إسرائيل أو أمريكا أو خدم أجنداتهما هو الانكشاف والانهيار، وهذا درس لم ينتبه إليه الكثيرون.
السياسة، كما يُقال، هي فن الممكن، لكن شرطها الأساسي أن تكون قادرة على حماية نفسها وألا تكون ضعيفة. على الدول أن تتعلم جيدًا من تحالفت معه، ومن عاهدته، وألا تضع ثقتها في اتفاقيات مؤقتة تنتهي صلاحيتها مع تغير الظروف.
من الواضح أننا دخلنا مرحلة جديدة من الصراع، ومن كان يظن نفسه بعيدًا عنها، بات يدرك أن النار إن لم تُسيطر عليها، ستنتشر بلا رحمة. لطالما تساءلنا لماذا تُعتبر إيران هدفًا رئيسيًا؟ وهل المشكلة حقًا تكمن في مشروعها النووي؟ لنتذكر أن هناك دولًا نووية كثيرة مثل الهند وباكستان وأمريكا وألمانيا وكوريا الشمالية، والأهم من ذلك كله، (إسرائيل) التي هي في قلب الوطن العربي، ومع ذلك يتجاهل العرب خطر وجود دولة نووية بهذه القوة والقرب الجغرافي.
المشكلة أن سياسة التلقي السهل والإعلام الموجه باتت سائدة، دون تشجيع على البحث أو الفهم العميق. والعودة إلى اليمن، التي تسيطر فيها أربع محافظات فقط على يد أنصار الله، لكنها قلبت المعادلات في المنطقة وأصبحت لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاهله، تؤثر حتى على حركة التجارة العالمية.
إذا ربطنا المشهد بالكامل، نجد أن اعتراف (الكيان) بـ”صومالي لاند” كدولة مستقلة، وما يجري في السودان، مرتبط بشكل مباشر بتأثير البحر الأحمر، ومن ثم اليمن. وهذا يجعل اليمن مركز الاهتمام، حيث تعبث فيه أيادٍ كثيرة، بما في ذلك أذرع تدعمها تركيا وقطر، إلى جانب دور مباشر للسعودية والإمارات وأمريكا.
كل هذه الأطراف تعبث باستقرار اليمن، مما يذكرنا بما جرى في سوريا من تدخلات متعددة، طائفية ومذهبية، ما دفعها إلى حافة التقسيم. واليمن وسوريا، بالإضافة إلى العراق، السودان، الصومال، وحتى السعودية، كلها تواجه خطر التقسيم.
وبما أن الحديث عن تقسيم الدول بات جدياً، مع طرح فكر تأسيس دول سُنِّية، وعلوية، ودرزية، وكردية، وشيعية، ومسيحية، وكأن الأمر إعادة إنتاج للكيان (إسرائيل) فقط بتقسيم جديد، معتمداً على الدين كمبرر، فالواقع أن هذا الطرح لا يمتلك أية من عناصر الوحدة المشتركة، بل يستند إلى القوة والتفوق المسلح.
وهكذا، يصبح للغرب اليد الطولى في التحكم بالشرق، مستغلاً هذه الانقسامات. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل سنصل حقًا إلى هذه الصورة؟ وهل سيتم إعادة تشكيل خرائط المنطقة بما يناسب أجندات الغرب و(الكيان)؟
ملاحظة هامة: رغم كل الصراعات، يجب أن نؤكد أن دول الغرب وأوروبا وحتى بعض الدول الآسيوية مثل الصين لا تعتبر (إسرائيل) عدوًا، بل شريكًا استراتيجيًا. كما أن معظم الأنظمة العربية الحاكمة نشأت منذ قيام (إسرائيل) لتكون أدوات في خدمة مشروعها، وهذا هو السبب في مواقفها المتباينة إزاء ما يجري في غزة وسوريا ولبنان.
إن سقوط (إسرائيل) يعني سقوط هذه الأنظمة أيضًا، ولا استثناء في ذلك. وهذا يفسر استمرار دعمها لهذا الكيان ضد المظلومين.
في الختام، يبقى القدسية المطلقة والمجد كله لمن قال لا في وجه كل مستكبر طامع، فصان كرامته، وحفظ أرضه وعرضه، وأرث أجداده.
فاتنة علي_لبنان/سوريا الكبرى
