مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، تدفع المفوضية الأوروبية ثمناً متزايداً لواردات الطاقة. فقد كشفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الأزمة فرضت على أوروبا تكاليف إضافية بلغت 127 مليار يورو لواردات الوقود الأحفوري، دون أن تحصل مقابلها على وحدة طاقة إضافية واحدة. هذا الرقم لا يكشف فقط عن هشاشة البنية الطاقة الأوروبية، بل يضع التوتر بين الصراع الجيوسياسي والتنافسية الصناعية الأوروبية وأهداف المناخ في صدارة المشهد.
خلال فعالية في بروكسل موجهة للشركات الناشئة، قدّمت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تقييماً كمياً هو الأكثر وضوحاً حتى الآن للتبعات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز. وأشارت إلى أن تكلفة واردات أوروبا من النفط والغاز ارتفعت منذ إغلاق المضيق بمقدار 127 مليار يورو عما كانت عليه سابقاً. وشددت فون دير لاين على أن هذا الإنفاق الضخم لم يُترجم إلى أي إمدادات طاقة إضافية، فقالت صراحة: “دفعنا 127 مليار يورو إضافية لواردات الوقود الأحفوري، ولم نحصل مقابلها على جزيء طاقة إضافي واحد.”
ويوجّه هذا التصريح الأنظار إلى مشكلة الاعتماد الأوروبي المزمن على الطاقة. وحذّرت فون دير لاين من أن أوروبا حين تستورد النفط والغاز فإنها “تستورد” في الواقع الصدمات والأزمات المصاحبة لهما. وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار ضغوط على سوق الطاقة الأوروبية منذ تصاعد الصراع العسكري في غرب آسيا مطلع العام الجاري والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الممر الحيوي للطاقة العالمية. وكان المضيق ينقل في الأوقات الطبيعية نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وقد أدى انقطاعه إلى رفع أسعار النفط والغاز الدولية مباشرة.
ومن حيث التسلسل الزمني، تُظهر فاتورة الطاقة الأوروبية تدهوراً متواصلاً. ففي سبتمبر الماضي، قدّرت فون دير لاين في خطاب حالة الاتحاد أمام البرلمان الأوروبي التكاليف الإضافية لواردات الوقود الأحفوري بنحو 90 مليار يورو. وبعد شهرين فقط ارتفع الرقم إلى 127 مليار يورو، بزيادة قدرها 37 مليار يورو. وتُظهر بيانات أقدم أنه في اجتماع وزراء الطاقة الأوروبيين في دبلن أواخر سبتمبر، كشف مفوض الطاقة الأوروبي يورغنسن أن الدول الأعضاء تحمّلت أكثر من 100 مليار يورو من تكاليف استيراد الطاقة الإضافية دون الحصول على إمدادات إضافية. وبلغت ارتفاعات أسعار الوقود في بعض الدول الأوروبية نحو 50%، وتجاوز سعر الديزل في مرحلة ما 11 دولاراً للغالون.
وتُحدث أزمة تكاليف الطاقة هذه تفاعلات متسلسلة متعددة داخل أوروبا. فقد أشار المستشار الألماني ميرتس سابقاً إلى أن التكاليف الإضافية التي تحمّلها المستهلكون والشركات الأوروبية بسبب ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الصراع تجاوزت 100 مليار يورو، مؤكداً أن لأوروبا مصلحة اقتصادية قوية في إنهاء الصراع في أقرب وقت. وعلى مستوى الصناعة، تواجه الشركات كثيفة استهلاك الطاقة ارتفاعاً هيكلياً في تكاليف الإنتاج؛ إذ تقدّر جمعية الصناعة الإسبانية أن قطاع الصناعة في البلاد وحده سيتحمل نحو 7.4 مليارات يورو إضافية من تكاليف الطاقة هذا العام. كما تضرر قطاع النقل واللوجستيات، إذ ارتفعت أقساط التأمين البحري بشكل كبير بعد تصنيف مضيق هرمز منطقة عالية المخاطر، ما يضع ضغوطاً مزدوجة على توقيت سلاسل التوريد والتحكم في التكاليف.
وفي هذا السياق، دافعت فون دير لاين عن التحول في مجال الطاقة ورفعته إلى مستوى الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي. وأكدت بوضوح أن الانتقال إلى الطاقة النظيفة لا يتعلق فقط بحماية المناخ، بل يرتبط مباشرة بقدرة أوروبا التنافسية واستقلالها. ورغم أن الاتحاد الأوروبي توصل مؤخراً إلى اتفاق بشأن هدف المناخ لعام 2040 يقضي بخفض الانبعاثات بنسبة 90%، شددت فون دير لاين على أن بروكسل ستلتزم المسار المحدد وستواصل دعم قطاعات الصناعة النظيفة. ويستبطن هذا الموقف منطقاً مفاده أن كل يورو يُستثمر في الطاقة المتجددة المحلية وكفاءة الطاقة هو يورو يقلّل من خطر دفع “علاوة الأزمة” مستقبلاً إلى مناطق خارجية مضطربة.
غير أن أوروبا لا تزال عاجزة على المدى القصير عن التحرر من الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، كما أن الجمود حول مضيق هرمز لا يلوح في الأفق جدول زمني واضح لحله. وقد أقرّت المفوضية الأوروبية في بيان رسمي حديث بضرورة تقديم دعم موجّه ومؤقت للقطاعات الأكثر تضرراً من ارتفاع أسعار الطاقة، مع التشديد في الوقت نفسه على أن مثل هذه المساعدات يجب ألا تُضعف الحوافز طويلة الأجل للتحول إلى الطاقة النظيفة. وتوفر أرقام فون دير لاين الأخيرة في الواقع التعليل الأكثر إقناعاً لهذه الموازنة السياسية: ففي ظل تنامي نشاط الصدوع الجيوسياسية، فإن كل بند إنفاق إضافي في فاتورة واردات الطاقة يقدم حجة ملحّة لتسريع نشر الطاقة النظيفة المحلية.
وبالنسبة لأوروبا، فإن الـ127 مليار يورو ليست مجرد رقم محاسبي، بل هي رسوم باهظة دفعتها مقابل خيارات سياسات الطاقة على مدى العقود الماضية. ويُضاف إلى ذلك أن تداعيات الحرب مع روسيا وما رافقها من انقطاع لإمدادات الغاز الروسي الرخيص قد ضاعفت من هشاشة الموقف الأوروبي، إذ وجدت بروكسل نفسها مضطرة في وقت واحد إلى التعامل مع صدمة مضيق هرمز وصدمة فقدان المورد الشرقي، ما يجعل مسار التحول إلى الطاقة النظيفة أقرب إلى ضرورة استراتيجية لا إلى خيار بيئي فحسب.
