على بُعد ساعات فقط من يوم الاقتراع، يخيّم على الأجواء السياسية في واشنطن ذلك التوتر المألوف، لكن مصدر القلق هذه المرة أكثر تعقيداً بكثير من مجرد تداول السلطة بين الحزبين. فوفقاً لأحدث تقييمات المشهد الانتخابي التي نشرتها قناة تابعة لإعلام العدو، يواجه الرئيس ترامب واقعاً قاسياً: فالحزب الجمهوري قد لا يخسر فقط أغلبيته الهزيلة في مجلس النواب، بل يبدو أيضاً في موقع دفاعي داخل معركة الحفاظ على مجلس الشيوخ. ورغم أن البيت الأبيض لا يزال يحاول التقليل من شأن هذه التوقعات، فإن البيانات الصادرة عن معظم مؤسسات استطلاع الرأي الأمريكية ونماذج التنبؤ ترسم صورة بالغة السوء للجمهوريين. وفي هذه الانتخابات، التي تُعدّ “اختباراً وسطياً” لولاية ترامب الثانية، فإن ما يحرّك مزاج الناخبين ليس القضايا الثقافية التقليدية، بل دخان الخليج البعيد وأسعار الرفوف المرتفعة في المتاجر الأمريكية.

“الموجة الزرقاء” في نماذج الاستطلاع وخط الدفاع الأخير في مجلس الشيوخ

وفقاً لبيانات تجميع استطلاعات الرأي ومواقع تحليل الانتخابات، باتت أرجحية الديمقراطيين في مجلس النواب راسخة إلى حد كبير. وتتوقع مؤسسة “تقرير كوك السياسي” غير الحزبية أن يحقق الديمقراطيون مكاسب صافية تتراوح بين 12 و25 مقعداً في مجلس النواب، بل ربما أكثر، وهو ما يتجاوز بكثير الأغلبية الهزيلة اللازمة لاستعادة زمام الأغلبية. والأكثر إثارة للقلق لدى استراتيجيي الحزب الجمهوري هو ساحة مجلس الشيوخ. فرغم أن الجمهوريين يتقدمون حالياً بنسبة 53 مقابل 47، وأن الديمقراطيين يحتاجون إلى مكاسب صافية بأربعة مقاعد لقلب الموازين، فإن استطلاعات الرأي الأخيرة في ولايات رئيسية مثل تكساس وكانساس ومين وأوهايو تُظهر أن المرشحين الديمقراطيين يحققون اختراقات ملموسة في ولايات حمراء تقليدية. ففي تكساس مثلاً، يتقدم المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو بعدة نقاط على منافسه الجمهوري في بعض الاستطلاعات، وهو أمر نادر للغاية في انتخابات مجلس الشيوخ بولاية تكساس على مدى العقود الثلاثة الماضية. وتُظهر نماذج التنبؤ أن احتمال سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ قد ارتفع إلى أكثر من ستين في المئة، ورغم أن هذا لا يزال غير محسوم، فإنه يكفي لدفع ترامب في الأيام الأخيرة قبل الاقتراع إلى توجيه معظم جهوده نحو تعبئة قواعده في ولايات كانت تُعدّ تقليدياً معاقل آمنة له.

الحرب على إيران: من قضية دبلوماسية إلى محفّز للتضخم الداخلي

إذا كان القلق الاقتصادي هو الحالة الطبيعية في الانتخابات النصفية، فإن ما يميز انتخابات 2026 هو أن السياسة الخارجية تدخّلت بطريقة مؤلمة للغاية في حياة الأمريكي العادي. فمنذ انطلاق العمليات العسكرية الأمريكية والتابعة للكيان الصهيوني ضد إيران في نهاية فبراير الماضي، لم تنتهِ الحرب كما كان متوقعاً بسرعة، بل دخلت في حالة جمود استمرت ثمانية أشهر. وقد أدى تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز إلى رفع أسعار الطاقة عالمياً، وهو ما انتقل مباشرة إلى فواتير الوقود والتدفئة داخل الولايات المتحدة. وأشار تحليل وكالة أسوشيتد برس قبل الانتخابات بشكل صريح إلى أن حرب الرسوم الجمركية التي شنّها ترامب والحرب على إيران رفعتا بشكل كبير تكاليف المعيشة للأمريكيين، الأمر الذي جعل السياسة الخارجية — وهو أمر نادر — عاملاً حاسماً في تحديد ملامح هذه الانتخابات. وتؤكد بيانات استطلاعات الرأي هذه المعاناة: إذ يعارض 56.5 في المئة من المستطلعين الأمريكيين هذه الحرب، بصافي تأييد سالب يبلغ 20.6 نقطة مئوية. وبالنسبة لكثير من الناخبين المترددين، فإن التصويت لمرشح جمهوري يعني إلى حد ما التصويت لصالح حرب بعيدة لا نهاية لها وغلاء معيشي مستمر في الداخل. وهذا الشعور قاتل بشكل خاص في ولايات متأرجحة رئيسية مثل ميشيغان وبنسلفانيا، حيث يكون الناخبون الأكثر حساسية لتقلبات أسعار الوقود.

العامل الصهيوني والانقسام داخل دوائر القرار في واشنطن

خارج ساحة المعركة، أصبح الدور الصهيوني متغيراً دقيقاً لكن لا يمكن تجاهله في هذه الانتخابات. فقد كُشف أن رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو يدفع بقوة نحو استئناف العمليات العسكرية الواسعة ضد إيران بعد انتهاء الانتخابات، بل ويحاول إقناع واشنطن بالتحرك المشترك. غير أن هذا الجدول الزمني يتعارض مباشرة مع المصالح السياسية لترامب. وقد ظهرت خلافات واضحة داخل الدائرة المقربة من ترامب حول هذه المسألة: ففي حين يميل وزير الدفاع هيغسيث ووزير الخارجية روبيو إلى مواصلة الضغط العسكري، فإن نائب الرئيس فانس والمبعوث ويتكوف يفضّلان السعي إلى اختراق دبلوماسي قبل الانتخابات عبر وسطاء مثل قطر، للحفاظ على استقرار أسعار النفط الداخلية وموقف الحملة الانتخابية. وقد التقط المنافسون الديمقراطيون هذا الخلاف الداخلي بدقة، فلم يكتفوا بتصوير المرشحين الجمهوريين في إعلاناتهم بأنهم “صقور يدفعون فاتورة حرب الكيان الصهيوني”، بل حاولوا من خلال ذلك تضخيم عجز الجمهوريين في التوفيق بين شعار “أمريكا أولاً” والتدخلية الفعلية. وبالنسبة لبعض الناخبين المستقلين والناخبين الشباب الذين سئموا الصراعات الخارجية، فإن استراتيجية الربط هذه بدأت تؤتي ثمارها.

الجبهة الداخلية المنقسمة: المال والغضب والإرهاق الانتخابي

خلف قصف الدعاية السياسية الذي تجاوزت تكلفته 11.6 مليار دولار، يكمن إرهاق عميق واستقطاب في المجتمع الأمريكي. فقد بقي صافي تأييد ترامب الشخصي عند مستوى منخفض يقارب سالب 20 نقطة مئوية قبل الانتخابات، بل إن صافي تأييده في قضية التضخم هبط إلى سالب 44.2. غير أن الديمقراطيين لم يحققوا بذلك نصراً تلقائياً. فالخلافات داخل الحزب بين الجناح التقدمي والمعتدل حول قضية الكيان الصهيوني، إضافة إلى تصدعات في بعض الدوائر الانتخابية نتيجة الانتخابات التمهيدية الداخلية، لا تزال تتيح لبعض الجمهوريين الحفاظ بصعوبة على قدرة تنافسية في دوائر مشتعلة. وفي تجمعاته في المرحلة الأخيرة، لا يزال ترامب يحاول تحفيز قاعدته بالتحذير من أن “اليسار الراديكالي” سيدمّر نمط الحياة الأمريكية، لكن مقارنة نسب الحضور والحماس تُظهر أن رغبة القاعدة الديمقراطية في التصويت في هذه الدورة أعلى بوضوح من نظيرتها الجمهورية. كما أن بيانات التصويت المبكر التي تجاوزت 54 مليون ناخب تصب عادة في مصلحة حزب المعارضة، وهو ما يزيد من قلق معسكر الجمهوريين.

محاكمة أمام صندوق الاقتراع

حين يتوجه الناخب الأمريكي إلى صناديق الاقتراع، فإنه لا يختار فقط موقفاً من مشروع قانون معين أو مرشحاً محلياً بعينه، بل يدلي بحكمه على اتجاه البلاد خلال العامين الماضيين. وإذا تحققت توقعات القناة التابعة لإعلام العدو، فسيواجه ترامب كونغرساً منقسماً: مجلس نواب يسيطر عليه الديمقراطيون سيكون قادراً على إطلاق تحقيقات لا تنتهي، وتجميد الميزانيات، بل ودفع تشريعات تحد من سلطات الرئيس في شن الحروب، فيما سيحدد مصير مجلس الشيوخ ما إذا كان لا يزال قادراً على تمرير القضاة المحافظين وأعضاء الحكومة بسلاسة. وأياً كانت نتيجة الفرز النهائي، فقد أرسلت هذه الانتخابات إشارة واضحة: بعد حرب الرسوم الجمركية والتصدعات الثقافية وحرب إيران التي لم تنتهِ بعد، فإن قدرة الناخب الأمريكي على تحمّل الفوضى آخذة في النفاد. وربما يكون الخطر الأكبر الذي يواجه ترامب ليس فقدانه مطرقة الرئاسة لصالح بيلوسي أو جيفريز، بل أولئك الأمريكيين العاديين الذين يحسبون بحسرة تكلفة المعيشة عند محطة الوقود وفي متجر البقالة، ويقررون التعبير عن استيائهم عبر بطاقة الاقتراع. ففاتورة الحرب، في النهاية، تُسدَّد أمام صندوق الاقتراع.