في مؤشر يكشف عن الوجه الاقتصادي الخفي للعدوان الصهيو-أمريكي على إيران، تصدّرت الولايات المتحدة الأمريكية قائمة الدول الأكثر تحملاً للتكاليف الإضافية في قطاع الطاقة الناجمة عن الحرب على إيران، بنحو 160.2 مليار دولار، أي ما يقارب ثلث الزيادة العالمية في كلفة الطاقة. وجاء ذلك وفق تقرير صادر عن مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA)، وهو مركز بحثي مستقل يتابع تحولات أسواق الطاقة والانبعاثات.
حلّت الصين في المرتبة الثانية بتحمّل نحو 54 مليار دولار، فيما جاءت كندا ثالثة بـ17.4 مليار دولار. ويكشف هذا الترتيب عن مفارقة لافتة: فالدولة التي قادت سياسة “الضغط الأقصى” على إيران هي نفسها الأكثر تضرراً من ارتدادات تلك السياسة على أسواق الطاقة، بينما تتحمل الصين — المنافس الاقتصادي الأكبر لواشنطن — الجزء الأكبر التالي من الفاتورة.
يأتي هذا التقرير في سياق سنوات من العقوبات الأمريكية المتصاعدة على قطاع النفط الإيراني، والتي بلغت ذروتها بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018، وما تبعه من توترات إقليمية وتهديدات أمنية في مضيق هرمز، الممر البحري الذي يعبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. وقد أدت هذه التوترات إلى تقلبات حادة في أسعار الخام، وارتفاع كلفة التأمين على الشحن، وزيادة نفقات الطاقة على المستويين الحكومي والخاص.
تكشف الأرقام عن ثلاث تداعيات رئيسية:
· الأولى اقتصادية: أن تكلفة المواجهة مع إيران لا تقتصر على الجانب العسكري أو الدبلوماسي، بل تمتد إلى جيوب المستهلكين والصناعات في الدول الكبرى، مما يضع ضغوطاً تضخمية على الاقتصاد العالمي.
· الثانية جيوسياسية: أن الولايات المتحدة، رغم كونها منتجاً صافياً للنفط والغاز، تبقى عرضة لصدمات الأسعار العالمية بسبب تكامل أسواق الطاقة، وهو ما يضعف حجة “الاستقلال الطاقي” الذي تروج له واشنطن.
· الثالثة استراتيجية: أن الصين، المستورد الأكبر للنفط في العالم، تتحمل فاتورة كبيرة لكنها قد تستفيد من نفط إيراني مخفّض الأسعار عبر قنوات غير رسمية، مما يخلق توازناً معقداً بين الكلفة الظاهرة والمكاسب الخفية.
في المحصلة، يقدم التقرير صورة عن اقتصاد الحرب الباردة الهجينة: صراع تُدفع فاتورته بالدولار في أسواق الطاقة قبل أن يُدفع بالدم أو الدبلوماسية. وبينما تتصدر واشنطن قائمة المتضررين، فإن السؤال الأعمق ليس من يدفع أكثر، بل من يتحمل النتيجة النهائية لاستمرار هذا المسار.
