حتى لا تتقدّم السيادة وتتراجع العدالة
مروان عبد العال/ عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
تتجدّد الدعوات إلى بسط سلطة الدولة وحصرية السلاح ورفض التوطين، بالتوازي مع عودة طرح إدارة المخيمات الفلسطينية، بعد أن بدأ طرحها بمُسمى «الشرطة المجتمعية» عقب أزمة مخيم نهر البارد عام 2007، مروراً بوثيقة الرؤية اللبنانية الموحدة عام 2017، وصولاً إلى الطرح الجديد للجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، مُمثلاً بـ«الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات»، التي أُطلق مسار التشاور بشأنها في السراي الحكومي في 30 تشرين الأول 2026. وهي، حتى الآن، ليست ورقة نهائية. وبين هذه المحطات، تبرز أسئلة تتجاوز حدود الإدارة والأمن إلى جوهر العلاقة بين الدولة واللاجئين الفلسطينيين، وطبيعة مسؤولياتها تجاه حقوقهم وكرامتهم الإنسانية، بما يصون هويتهم الوطنية ويحفظ حقهم في العودة.
فالدولة ليست فقط ما تطالب به اللاجئين، بل أيضاً ما تلتزم به تجاههم، وما تضمنه لهم من حقوق وحماية قانونية وإنسانية.
وهنا تحديداً يقع خطاب الدولة في تناقض لا يمكن تجاهله: كيف يمكن أن تكون الدولة كاملة السيادة حين تريد أن تنزع عن الفلسطيني أي وضع سياسي، ثم تصبح عاجزة ومُقيّدة ومُثقلة بالأعباء حين يُطلب منها أن تؤدي واجباتها تجاه إنسان يعيش على أرضها منذ عقود؟
حتى لا تتقدّم السيادة وتتراجع العدالة، الفلسطيني في لبنان ليس «ترتيباً أمنياً»، ولا «جزيرة خارجة عن القانون»، ولا مجرد ملف تفاوضي بين الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي. إنه إنسان. وهذه ليست ملاحظة عاطفية زائدة عن الحاجة، بل هي نقطة البداية القانونية والأخلاقية والسياسية. إنسان وُلد هنا، أو عاش هنا، أو هُجّر إلى هنا، ولم يختر أن يكون لاجئاً، ولم يختر أن تطول إقامته أكثر من سبعة عقود، ولم يطلب من الدولة اللبنانية أن تحل القضية الفلسطينية نيابة عن العالم. لكنه، ببساطة، وجد نفسه مقيماً على أرض دولة، وتلك الدولة، أياً كان موقفها من أصل القضية، لا تستطيع أن تتعامل مع وجوده باعتباره مسؤولية الآخرين وحدهم، أو قضية الآخرين على أرضها.
أخيراً، تتكرر عبارة «السيادة» حتى تكاد تصبح مفتاحاً سحرياً لكل شيء. لكن السيادة ليست فقط أن تكون الدولة صاحبة القرار الأمني، وأن تدخل المخيم حين تريد، وأن تطبّق القانون حين يتعلق الأمر بالسلاح. السيادة أيضاً مسؤولية. والسيادة التي لا تنتج حماية اجتماعية، وعدالة قانونية، وحقاً في العمل والتعليم والصحة والعيش الكريم، تتحوّل من مفهوم سياسي إلى أداة انتقائية: سلطة في مواجهة الضعيف، واعتذار أمام عجز المؤسسات.
والأغرب أن يقال إن المطلوب هو «نقل العلاقة من علاقة بين الدولة والتنظيمات إلى علاقة بين الدولة وأفراد يخضعون للقانون ويتمتعون بحقوق محددة بموجبه». حسناً، لكن السؤال الأعمق ليس فقط كيف تُدار المخيمات، بل كيف تُدار العلاقة بين الدولة والإنسان الفلسطيني. فقد عاش الفلسطيني طويلاً في ظل علاقة بين الدولة والتنظيمات والمرجعيات المشتركة، ثم في ظل علاقة بين الدولة ومنظمة التحرير، من دون أن يُترجم ذلك إلى حقوق مدنية وقانونية كاملة للفرد. واليوم، مع الانتقال إلى صيغة العلاقة بين دولة ودولة، هل ينال الفلسطيني حقوقه وحمايته أمام القانون، أم نعود إلى التعامل معه بوصفه فرداً لاجئاً، منزوع المرجعية والتمثيل والشرعية الوطنية؟ وهل يعني الاعتراف بالرأس الاعتراف ببقية الهرم الاجتماعي والمؤسسي الذي تقوم عليه الهوية الوطنية الفلسطينية والحقوق الإنسانية، أم أن الاعتراف سيبقى محصوراً بالعنوان السياسي الرسمي، فيما يُترك الإنسان وحقوقه خارج المعادلة؟
فإذا كان المطلوب إنهاء العلاقة مع التنظيمات، فليكن. لكن لا يمكن أن يكون البديل علاقة مباشرة بين الدولة والفرد الفلسطيني، عنوانها: «أنت فرد أمام القانون»، بينما القانون نفسه يبقيه محاصراً في العمل والملكية والضمان والحماية الاجتماعية وسواها من الحقوق الأساسية.
لا يجوز أن يُطلب من الإنسان أن يتخلى عن الجماعة حين تكون الدولة غير مستعدّة بعد لأن تمنحه ما يحتاج إليه الفرد من حماية. ولا يمكن تفكيك الوسائط الاجتماعية والسياسية التي نشأت تاريخياً حول اللاجئ، ثم ترك الفرد وحيداً أمام نظام قانوني لا يعامله كمواطن، ولا يمنحه، في المقابل، حقوقاً إنسانية متكاملة بوصفه لاجئاً. فالالتزام بالشراكة يبدأ من احترام معادلة حفظ الكيانية اللبنانية وحمايتها من جهة، وصون الهوية الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى. وإذا كانت الدولة تريد علاقة مباشرة مع الفرد، وتعترف في الوقت نفسه بمؤسساته الشرعية والوطنية والشعبية، فعليها أن تكون دولة كاملة في هذه العلاقة، لا الاكتفاء بعلاقات حصرية أو جزئية أو أمنية فقط.
ثم إن ربط الحقوق الفلسطينية باستقرار الاقتصاد اللبناني وقدرته على الاحتمال يفتح باباً خطيراً. هل تصبح كرامة الإنسان مرتبطة بمؤشر النمو؟ وهل يصبح الحق في العمل قابلاً للتأجيل لأن الاقتصاد متعثّر؟ وهل يحتاج الإنسان إلى اقتصاد مزدهر كي يستحق حماية القانون؟ لبنان ليس مُطالباً بمنح الفلسطيني مواطنة، ولا بإسقاط حق العودة، ولا بتحويل اللجوء إلى توطين. لكنه مُطالب، مثل أي دولة، بأن يميز بين التوطين والكرامة، وبين العودة بوصفها حقاً سياسياً والحياة الكريمة بوصفها حقاً إنسانياً.
هنا من طالب، وهو مُحق، بأن «الكرامة ليست توطيناً». لكنه لا يذهب بهذه الجملة إلى نهايتها المنطقية. فإذا كانت الكرامة ليست توطيناً، فلماذا تبقى الحقوق رهينة الخوف من التوطين؟ وإذا كان تحسين شروط الحياة لا يسقط حق العودة، فلماذا يُستدعى شبح التوطين كلما طُرح حق من حقوق الفلسطينيين؟ هنا لا يعود الخوف تفسيراً سياسياً، بل يتحوّل إلى آلية لتعليق الحقوق.
والأكثر التباساً هو وضع «الفلسطيني» في مقابل «الدولة»، كما لو أن وجوده ذاته جزء من مشكلة السيادة. الفلسطيني لم يصنع أزمة الدولة اللبنانية، ولم يختر الحروب الأهلية، ولم يُضعِف المؤسسات، ولم يصنع الانهيار الاقتصادي، ولم يقرر سياسات الدولة تجاه المخيمات. وليس من العدل السياسي أن يُطلب منه أن يدفع ثمن كل ما عجزت الدولة اللبنانية عن حله، ثم يُقال له إن تحسين وضعه قد يحمّلها أعباء إضافية.
بل إن هذا المنطق غير منطقي، لأنه يقود إلى نتيجة معاكسة. إذا كانت الدولة تريد إنهاء «الاستثناء»، فإن أول خطوة ليست سحب ما تبقّى من أشكال الحماية الذاتية لدى المجتمع الفلسطيني، وإنما إنهاء الأسباب التي جعلت هذا المجتمع يعيش في الاستثناء أصلاً. الدولة لا تُثبِت حضورها بأن تجعل حياة اللاجئ أكثر هشاشة؛ بل تثبته بأن تجعل القانون أكثر عدالة.
كما أن اختزال المسألة في «عسكرة المخيمات» هو أيضاً هروب من أصل القضية. نعم، يمكن للدولة أن تطالب بـ«حوكمة المخيمات»، ويمكن كسر «ذهنية الغيتو» من خلال مناقشة هذا الأمر سياسياً وأمنياً، لكن السؤال الذي يطرحه المقال عن اللجوء أكبر من العسكرة بكثير: ماذا عن المجتمع الأهلي الفلسطينيي وخارج المخيمات أو داخله ولا يحمل بندقية؟ ماذا عن الطفل، والطالب، والعامل، والمريض، والكاتب، والمرأة، والعائلة التي تعيش في المخيم؟ ماذا عن الإنسان الذي ينتمي إلى قضية وطنية، وقد يكون عضواً في تنظيم سياسي، ولا علاقة له بأي منظومة أمنية؟
هنا تحديداً ينبغي أن نعيد الأمر إلى حجمه الحقيقي: الدولة مسؤولة عن الأمن، نعم، لكنها مسؤولة كذلك عن الإنسان الذي يعيش تحت ولايتها وسيادتها الشرعية والقانونية. ولا يجوز أن تتحوّل مسألة السلاح إلى مظلة تُغطّى بها بقية الأسئلة.
أمّا الحديث عن «المجتمع الدولي» وضرورة أن يتحمل مسؤولياته، فهو صحيح، لكنه لا يعفي الدولة المضيفة من مسؤولياتها. يمكن للبنان أن يطالب العالم بتمويل «الأونروا»، وأن يطالب المجتمع الدولي بتحمل تبعات النكبة، وأن يتمسك بحق العودة، وأن يرفض التوطين، وأن يفاوض من أجل الدعم الدولي؛ كل ذلك مشروع وضروري. لكن لا يمكن أن تصبح مسؤولية الآخرين سبباً لتعليق مسؤولية الدولة تجاه الإنسان الموجود أمامها الآن.
ليس مطلوباً من لبنان أن يحل القضية الفلسطينية، وليس مطلوباً منه أن يحمل عبء النكبة وحده. لكن المطلوب منه شيء أكثر بساطة وأكثر صعوبة في آن: أن يعامل الإنسان الذي يعيش على أرضه بوصفه إنساناً.
ليست سياسة عامة مكتملة؛ إنها إدارة أكثر أناقة للاستثناء. إذا كانت الدولة تريد فعلاً أن تنهي الاستثناء، فلتبدأ من حيث يجب أن تبدأ الدولة: القانون الواحد، والحماية الواحدة، والمسؤولية الواحدة، والكرامة الواحدة. لا أن تنقل الفلسطيني من «سلطة الفراغ» إلى «سلطة الحرمان»، ثم تسمي ذلك انتقالاً إلى الدولة.
الدولة القوية لا تخاف من حقوق الإنسان، ولا ترى في تشغيل الفلسطيني والاستفادة من قوة عمله وكفاءته توطيناً، ولا في حمايته الاجتماعية انتقاصاً من سيادتها، ولا في معاملته بكرامة تهديداً لتركيبتها الديموغرافية أو الطائفية. فالدولة لا تُقاس بقوة خطابها ولا بكثرة دروسها في السيادة، بل بما تحققه من نتائج فالخطابات وحدها لا تطعم جائعاً ولا توفّر حقاً.
ما يحتاج إليه اللاجئ هو سياسات عملية تضمن له شروط الحياة والعيش الكريم، من دون المساس بحقه في العودة. فليس على الدولة أن تختار بين سيادتها وحقوقه، بل أن تثبت أن السيادة لا تكتمل إلا بالعدالة، وأن قيمة المواقف تُقاس بما تحققه من نتائج، لا بما تحمله من شعارات.
المصدر/ جريدة الأخبار
