آيزنكوت بين الابتزاز وخطر ضياع الفرصة

ناصر قنديل

لا يواجه غادي آيزنكوت مسألة حسابية تنقصه فيها مقاعد لبلوغ الأكثرية، بل قراراً قد يحدد مستقبله السياسي. فالانتخابات التي حرمت بنيامين نتنياهو وحلفاءه من تجديد تفويض الحكم، وضعت المعارضة أمام فرصة لاستبدالهم، لكنها ربطت ترجمتها بالتعاون مع القائمتين العربيتين. ومع توزيع ثلاثة وخمسين مقعداً لمعسكر نتنياهو، وثمانية وأربعين للمعارضة، وتسعة عشر للعرب، يصبح السؤال: هل يستطيع آيزنكوت استخدام الفرصة المتاحة، أم يبددها منتظراً نتيجة أفضل لا يملك ضمانة الحصول عليها؟
أمامه ثلاثة خيارات، لكل خيار منها كلفته وشروطه: تعذّر تشكيل الحكومة والذهاب إلى انتخابات جديدة، مع استخدام الأكثرية المناهضة لنتنياهو داخل الكنيست؛ أو حكومة وحدة تعيده إلى الشراكة مع الرجل الذي تعهد بإبعاده؛ أو تفاهم مع العرب يفتح طريق رئاسة الحكومة. ولا يجوز التعامل مع هذه الخيارات كأن الزمن محايد بينها. فكل شهر يبقى فيه نتنياهو في السلطة يمنحه أدوات للتأثير في خصومه وتعديل بيئة الانتخابات المقبلة، بينما يُطلب من آيزنكوت تبرير عجزه عن تحويل التصويت إلى تغيير.

يتيح الخيار الأول معركة برلمانية واسعة. تستطيع المعارضة، بالتعاون مع العرب، محاولة تغيير رئيس الكنيست ورؤساء اللجان، والتراجع عن تشريعات الائتلاف، والدفع نحو لجنة تحقيق في السابع من أكتوبر. وقد كشفت تقارير إسرائيلية تحضيرات للاستيلاء على المبادرة التشريعية قبل قيام الحكومة الجديدة. لكن هذا المسار يتطلب اتفاقاً مستمراً بين قوى تختلف على قضايا كثيرة، وقد تجد أن التعاون اللازم لتمرير القوانين يحتاج إلى تنازلات لا تقل صعوبة عن تفاهم تشكيل الحكومة.

ويتقدم «قانون المتهم» بوصفه محاولة لإغلاق طريق عودة نتنياهو. غير أن منع متهم من تولي رئاسة الحكومة يختلف عن منعه من الترشح للكنيست؛ ولكل صيغة شروطها ومشكلاتها. يستطيع آيزنكوت الدفع نحو تعديل أوسع، لكنه لا يستطيع افتراض إقراره وصموده أمام الطعن. كما أن تشريعاً يبدو موجهاً لشخص بعينه قد يمنح نتنياهو مادة لتعبئة جمهوره. لذلك يبقى القانون أداة في الصراع، ويصبح الرهان عليه وحده مقامرة بمستقبل المعركة.
الخيار الثاني، حكومة الوحدة، قد يفتح لآيزنكوت أبواب القبول الأميركي والدولي، لكنه يحمل خطراً مباشراً على صدقيته. فإذا بدأت بتولي نتنياهو الرئاسة، يكون قد منحه الاستمرار مقابل وعد مؤجل بالتناوب. وعندها يسقط المعنى العملي لشعار إسقاطه، وتتحوّل الخلافات إلى ملفات مؤجلة باسم الأمن والاستقرار. وسيبقى نتنياهو صاحب الموقع الأول والخبرة الأوسع في إدارة تناقضات الشركاء، بينما يصبح آيزنكوت مسؤولاً عن تبرير التسوية أمام جمهور انتخبه لإنهاء هذه القيادة.

والتجنيد هو الامتحان الأكثر حساسية. فقد ارتبط خطاب المعارضة بالمساواة في تحمل الأعباء، ورفض استمرار امتيازات الإعفاء للحريديم. فإذا قبل آيزنكوت تأجيل الحسم أو قانوناً يعيد إنتاج التمييز، يخسر أحد أبرز أسباب الالتفاف حوله. وإذا أصر على تعهده، يصطدم بالشروط التي يحتاجها نتنياهو للحفاظ على شركائه الدينيين. وهكذا قد تدخل حكومة الوحدة أزمتها منذ لحظة ولادتها، بعدما يكون آيزنكوت قد دفع سلفاً ثمن التخلي عن تعهده الأبرز.

يتقدم، لذلك، خيار الاستناد إلى العرب، داخل الحكومة أو عبر دعم خارجي متفق عليه. يحتاج هذا المسار إلى شجاعة سياسية وتفاهمات واضحة وموافقة شركاء المعارضة، لكنه يتيح ترجمة التفويض الانتخابي إلى حكم. وقد دعا يائير غولان إلى تجاوز رفض التعاون مع الأحزاب العربية، بينما أبدت القائمة المشتركة استعدادها لتمهيد طريق إبعاد نتنياهو. لن يحصل آيزنكوت على دعم بلا مطالب، لكنه يستطيع التفاوض على برنامج يحقق تغييراً، بدلاً من قبول استمرار خصمه لتجنب التفاوض مع العرب.

أما الإعادة، فقد تجرّده من عناصر الفرصة الحالية. يستطيع نتنياهو الرهان على تعب المغتربين الذين عادوا للتصويت، وعلى تراجع المشاركة العربية إذا بدا أن كثافتها لم تنتج أثراً. وقد ينقسم جمهور آيزنكوت بين رافض للشراكة العربية يقتنع باستحالة الأكثرية من دونها، ومؤيد لها يرى قيادته تهدر الطريق المتاح. الأول يفقد الأمل بإمكان تشكيل الحكومة، والثاني يفقد الثقة بجدوى فوزه. وكلاهما قد يجد سبباً للامتناع عن تكرار التجربة.

ليست هذه بالضرورة فرصته الأخيرة، لكنها قد تكون أفضل فرصة يمتلكها. وقد كان تحذير ألوف بن في «هآرتس» من ضياع فرصة قد لا تتكرّر تعبيراً عن هذا القلق. فإطالة الانتظار لا تحفظ النتيجة في الثلاجة؛ إنها تسمح لنتنياهو بإعادة ترتيب معركته. وعلى آيزنكوت أن يختار بين تنازل يكسر تحريم الدور العربي ويتيح تنفيذ تعهده، وتنازل يعيد نتنياهو إلى الحكم ويفرغ التعهد من مضمونه. هنا يتحدد الفرق بين امتلاك مقاعد المعارضة وامتلاك إرادة الانتقال إلى السلطة.