لا يستهويني كثيرًا الاستماع إلى التحليلات التي تقول إن ما يجري في المنطقة من مَضيِّ كيان الاحتلال قدمًا في التدمير والحروب والتوسع، هو نتيجة نزعة خاصة لنتنياهو المتطرف، أو لكون مَن يحكم الكيان أحزابًا صهيونية متطرفة. ورغم أن المحللين المتعمقين في الشأن الصهيوني والمتابعين لأدق تفاصيله قد يَبْنون تحليلاتهم على قراءات منطقية، إلا أنهم يغفلون في معظم الأحيان أن الكيان الصهيوني هو في حقيقة الأمر فرع كولونيالي للصهيوإمبريالية العميقة، وليس مجرد قاتل متسلسل منفرد؛ بل هو جزء أصيل من هذه العصابة الصهيوإمبريالية، وتُقاد هذه المرحلة من إدارتها العميقة لأهميتها الحرجـة.
لن تجد الصهيوإمبريالية العميقة مجرمًا أفضل من العقائدي الصهيوني نتنياهو ليتحمل دماء وقذارة هذه المرحلة التي يتطلب مخططها الشيطاني الآني ذلك؛ إذ يبدو أن أسياد هذه الصهيوإمبريالية يجدون أن المرحلة تتطلب القضاء التام على مشروع المقاومة والممانعة العربي، والتوسع وضم أراضٍ جديدة للكيان الصهيوني من خلال سفك الدماء والقتل، استكمالًا لمرحلة قذرة صار الكيان بها منبوذًا عالميًا. وبعد إتمام هذه الخطة، عندها سيستغني الكيان عن نتنياهو، ويختار وجهًا صهيونيًا “لطيفًا” كغادي آيزنكوت ليخدم المرحلة القادمة، وهي مرحلة إعادة العلاقات مع دول العالم وتجميل الصورة.
ومما يزيد المشهد تعقيداً هو ارتهان وعي البعض في الوطن العربي لقشور هذه اللعبة؛ حيث جرى تسطيح القضية وتجريف الوعي الجمعي العربي كثيراً عبر تصوير الصراع كأنه خلاف مع شخص أو تيار يمين متطرف عابر. والأخطر من ذلك، أننا صرنا نعيش في زمن مقلوب، يُزايد فيه المهرولون نحو التدجين على القابضين على جمر المبادئ؛ أولئك الذين تمنعهم عقيدتهم الوطنية والقومية الثابتة من المشاركة في مسرحية انتخابات الكنيست الصهيوني وإضفاء الشرعية على برلمان الاحتلال، ليتحمل تماسكهم المبدئي المقاوم، في نظر السطحيين، إلى انغلاق سياسي، بينما يُحتفى بالاندماج في مؤسسات الكيان والركوع تحت سقفه الاستعماري كأنه “واقعية سياسية”، على الرغم من أن هذه المشاركة لم تكن يوماً سوى أداة تجميلية لتبييض وجه أبارتهايد استعماري يمارس أبشع جولات التطهير العرقي.
إن قرار المركز الإمبريالي بـ “تهدئة اللعب” عبر تلك الوجوه العسكرية -إن صحت هذه القراءة- ليس تبدلاً في العقيدة، بل هو انتقال تكتيكي من مرحلة المواجهة العسكرية المباشرة والمكلفة، إلى مرحلة التفرج بدم بارد على الوطن العربي وهو يتدحرج سريعاً نحو مربعات اقتتال دامٍ أوسع وأشمل، قد يمتد لخمسة عشر عاماً أخرى من الحروب الأهلية المستدامة. ولا نستطيع إغفال أن المشروع الصهيوأمريكي منهك عسكرياً واقتصادياً، وخاصة في مواجهة إيران.
فالمشهد الإقليمي القادم يُحَضَّر له ليكون ساحة لانفجارات عرقية، وطائفية، وقبلية ممتدة تُغذى بالوكالة لتفتيت ما تبقى من النسيج المجتمعي وجعل الجغرافيا العربية مستباحة بالكامل. ولم تكن الهجمات الغادرة، كأحداث الكرك الإرهابية في الأردن التي استهدفت ضرب العيش المشترك وبث الفتنة، مجرد صدفة عابرة أو معزولة، بل هي شواهد ودلائل واضحة على طبيعة هذا المخطط الاستخباري الشيطاني الذي يسعى إلى نقل التطرف من مواجهة الدول إلى طعن المجتمعات في ظهرها، وإشعال الحرائق الداخلية لتنشغل كل ساحة بصراعاتها البينية ريثما يستريح الكيان ويُثبّت مكتسباته.
يأتي هذا التموضع بالتزامن مع التحولات والحروب المشتعلة في اليمن وتمدد شظاياها، ومع اشتداد حدة التجاذبات الإقليمية التي تجر عواصم الطوق والعمق قسراً إلى حلبة الصراع المفتوح.
فالأردن يجد نفسه اليوم تحت وطأة ضغوط أمنية وديموغرافية هائلة، وسوريا الغارقة في استنزافها وتفكك جغرافيتها السياسية تُركت لتواجه مصيرها منفردة، في حين يزداد التخوف من فرض تدخل عسكري أو سياسي مصري مباشر أو غير مباشر في مستنقعات إقليمية كاليمن لتأمين مصالح حيوية أو استجابة لضغوط التمويل والديون الخارجية.
إن هذا التزامن المريب يهدف إلى تحييد الأدوار المحورية وتكبيل القدرات الذاتية، ليتسنى للمنطق الاستعماري قضم واحتلال مساحات واسعة جديدة في الجغرافيا اللبنانية والسورية، متجاوزة حدود مزارع شبعا والجولان المحتل تاريخياً، بهدف شرعنتها وتحويلها إلى أمر واقع غير قابل للنقاش وسط غيبوبة العواصم التي غرقت في وهم التمييز بين “صقور وحمائم” في كيانٍ كل ما فيه مخالب.
وفي الختام، تتلاقى هذه الهندسة الجيوسياسية الخبيثة مع التحولات السياسية داخل الولايات المتحدة واقتراب الاستحقاقات الانتخابية التي قد تطيح بالتيار اليميني الفج، لتفرز إدارات إمبريالية “مرنة” تسعى لفرض سلام اقتصادي وتطبيع ناعم مع سوريا ولبنان المحاصرين، بهدف رئيسي وهو تأخير الحديث عن أي انسحاب أو حقوق سيادية إلى أمد غير مسمى.
إنها ذات الاستراتيجية برداء جديد؛ فاليمين الفج يقتلع الأرض ويزرع المستوطنات بالحديد والنار، بينما يأتي التيار الليبرالي ليعرض السلام الاقتصادي والتطبيع لإضفاء الشرعية على ذات المسروقات، مستفيداً من حالة العجز والتمزق والتسطيح العربي المستمر لتمرير الصفقة التاريخية بأقل الأثمان وعلى جثث الأوطان المقتتلة. إن مواجهة هذا التوغل الصهيوإمبريالي لا تمر عبر قاعات الكنيست أو طاولات المفاوضات الأمريكية، بل بفرز جبهة ثورية شعبية عريضة تفكك بنية التسطيح، وتعيد الاعتبار لخط المواجهة الشاملة والاشتباك المفتوح مع قوى الاستعمار ورأس المال المحرك لها.
أبو الأمير _ القدس
