هل عودة الحرب حتمية؟

حسن علاء الدين

تكاد أصوات طبول الحرب وقعقعة السلاح تصمّ آذان من يحاول قراءة المشهد في منطقة غرب آسيا التي تشهد مستويات مرتفعة من التحشيدات العسكرية والتصريحات المرتفعة السقف وحركة الموفدين الذين يحملون مبادرات الوساطات ورسائل التهديد في آن. ولكن التأمّل في أبعاد الصراع وحيثياته كفيل بإرشاد المرء إلى استنتاجات واضحة وإلى التمييز بين ما هو صخب إعلامي مرتبط بالحملات الانتخابية وبين ما هو خطر حقيقي.

لماذا لا تنفع الدبلوماسية؟

توهّم الكثير انتهاء الحرب في المنطقة عقب توقيع مذكّرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، ولكن سرعان ما تبيّن أن الولايات المتحدة لم توقّع المذكّرة بهدف إنهاء الحرب، بل بهدف العمل على منع انفجار أسواق الطاقة وبهدف السعي إلى تحقيق أهداف الحرب بالسياسة والاقتصاد بعد عجز الآلة الحربية عن الحسم في الميدان. فعمدت إلى الانقلاب على مضمون المذكّرة من خلال بيان اجتماع المنامة مع دول الخليج وفتح مسار عماني في مضيق هرمز وفرض اتفاق الإطار بين السلطة اللبنانية و”إسر/ئيل”، مقوّضة بذلك جلّ ما تضمّنته المذكّرة من مكاسب لإيران. وقد قابلت إيران ذلك بالعمل على تحصين مكاسبها -ولو بشكل جزئي- من خلال استهداف السفن والناقلات في مضيق هرمز وفرض معادلة الضاحية الجنوبية مقابل شمال “إسر/ئيل”.

إن السبب الحقيقي في فشل تطبيق مذكّرة التفاهم وفشل جهود العودة إليها يكمن في عدم قدرة الولايات المتحدة على تحمّل تبعات ما تتضمّنه البنود من استسلام للإرادة الإيرانية وتبديد للهمينة الأمريكية في المنطقة بحسب وصف كثير من النخب والمعلّقين الأمريكيين من مؤيدي الإدارة الحالية والمناهضين لها على سواء. فالحرب في إيران تحوّلت إلى حرب وجودية للولايات المتحدة كما هي حرب وجودية لإيران.

إن وجود الولايات المتحدة كإمبراطورية وكدولة عظمى متحكّمة بالعالم مرتبط بانتصار بائن في هذه الحرب، لأن فشلها كأقوى قوة في التاريخ في هزيمة دولة محاصرة منذ عقود وفي فرض سيطرتها على ممرّ بحري يشكّل نقطة حيوية في ممرات الطاقة والتجارة يشكّل ضربة قاصمة لمنظومة الأمن الأمريكي القائمة على ضمان أمن الطاقة والملاحة، ويذكّر بأفول نجم القوة البريطانية بعد انتكاسها في قناة السويس إبّان العدوان الثلاثي على مصر. وهذا يستوجب إعادة النظر في العلاقة مع الولايات المتحدة من قبل خصومها وحلفائها في آن، فكيف لمن لا يستطيع هزيمة إيران المحاصرة أن يهزم الصين لاحقا؟ وكيف لمن لا يستطيع الدفاع عن قواعده وحلفائه في الخليج أن يفعل ذلك في شرق آسيا وتايوان وأوروبا؟

دوام الحال من المحال

قد يرجّح البعض استمرار حالة اللا حرب واللا سلم القائمة حاليا بسبب انسداد الأفق الدبلوماسي وعدم موثوقية الخيار العسكري، ولكن الوضع الحالي غير مستدام على الإطلاق بالنسبة لمختلف أطراف الصراع وبالنسبة للمجتمع الدولي بشكل عام. إن استمرار عسكرة مضيق هرمز مع تدهور الأوضاع بين السعودية و”حركة أنصار الله” وتفاقم الأزمة بين روسيا وأوكرانيا بات يشكل تهديدا حقيقيا لمستقبل الكثير من الدول وأنظمة الحكم في العالم. والخطر غير محصور بالنفط الخام والطاقة، بل يتعدّى ذلك إلى الأمن الغذائي واقتصادات الدول وأسهم الشركات العالمية وكلفة المعيشة. ولعل ما يجري في أوروبا الآن من احتجاجات وأعمال شغب بداية لأزمة دولية عابرة للحدود.

إن الولايات المتحدة ليست بمنأى عن تداعيات هذه المخاطر، فارتفاع أسعار النفط والمحروقات واستمرار تراجع الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي من النفط الخام والتصدّع الحاصل في المجتمع الأمريكي بسبب الحرب وتداعياتها واقع لا تتحمّل الولايات المتحدة استمراره طويلا. كما إن إيران لا تستطيع التعايش طويلا مع الواقع الحالي بما يتضمنه من حصار أمريكي قاس وقطع لطرق إمداد إيران وخنقها اقتصاديا بالإضافة إلى الواقع الميداني المفروض على حلفائها في لبنان.

ما المتوقّع إذا؟

إن هذا المشهد المعقّد حيث لا تنفع الحلول السياسية ولا يستطيع أطراف النزاع تحمّل استمرار المراوحة سيدفع أحد الأطراف إلى القيام بمبادرة عسكرية عندما يشعر باقتراب فقدانه للسيطرة، فالخيار العسكري غير مضمون النتائج يظل أقل كلفة من الاستسلام إلى مشيئة الطرف الآخر أو الانهيار أمام تداعيات الواقع الحالي. وهذا الخيار ليس حكرا على الولايات المتحدة، فكما قد تقوم الولايات المتحدة بشن ضربات على إيران في التوقيت الذي يناسبها، أي بعد انتخابات التجديد النصفي أو قبلها بقليل، قد تقوم إيران بالمبادرة إلى التصعيد إذا وجدت نفسها في موقف حرج. والتصعيد لا يعني بالضرورة اللجوء إلى أعنف الضربات، بل قد يكون استفزازا محسوبا لا يستطيع الطرف الآخر تمريره، بما يستدعي ردودا وردودا مضادة.

إن طبيعة الصراع في المنطقة لا تقبل أنصاف الحلول أو الاستنزافات المتبادلة المستمرّة، بل تحتّم وجود طرف رابح يفرض شروطه على الطرف المقابل. ولذا إن مسألة العودة إلى الحرب قد تكون مسألة توقيت ليس إلا حتى لو مضت فترة الانتخابات الأمريكية دون العودة إليها. قد يكون التهويل بالحرب الآن مرتبطا بالانتخابات، ولكن الحرب تشكل ضرورة لا بدّ منها لإنهاء الصراع وترسيم حدود نفوذ جديدة في المنطقة. وقد تنتقل نيران الحرب إذا اندلعت هذه المرة إلى ساحات جديدة، وقد تُستخدم فيها أساليب لم تُستخدم مسبقا، إذ لا محرّمات في حروب الوجود.