قراءة في التضامن العالمي مع القضية الفلسطينية

رانيا لصوي/ حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني

القضايا الإنسانية التحررية تصبح قضايا جامعة تتجاوز الجغرافيا والانتماء بفعل المقاومات واستمرارها، تتقاطع تطلعات الشعوب الى الحرية والكرامة والعدالة رغم الهيمنة والاستعمار، ومحاولات ترسيخ السيطرة وإعادة إنتاج علاقات القوة. وفي ظل تلاقي القوى العالمية وفق موازين المصالح السياسية والاقتصادية، تبرز هذه القضايا بوصفها اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام المجتمع الدولي بالمبادئ الإنسانية، وتطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الشعوب على انتزاع حقوقها وتحقيق تحررها في عالم تحكمه المصالح وتتنازع فيه الإرادات.
هذا التقاطع بين الشعوب يجعل من القضايا التحررية والإنسانية مجالًا للنضال العالمي، وينقل المواجهة من حدود الأرض التي يقع عليها الاحتلال إلى فضاء العالم بأسره، حيث تتجاوز المقاومة جغرافيتها المباشرة لتصبح قضية وعي وضمير ومساءلة سياسية وأخلاقية.
ولعلّ القضية الفلسطينية هي المثال الأبرز على هذا التحول؛ إذ لم تعد قضية شعب يناضل من أجل حريته وحقه في تقرير مصيره فحسب، بل أصبحت قضية جامعة لكل من يرى في الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية قيمًا لا تقبل التجزئة. لقد تجاوزت فلسطين حدودها الجغرافية لتصبح قضية الشرفاء في العالم، وحاضرة في الشوارع والجامعات والنقابات والبرلمانات، وفي صلب النقاشات العامة داخل المجتمعات التي طالما حاولت أن تفصل بين سياساتها الداخلية ومواقفها من القضايا الدولية.
بل إن فلسطين باتت معيارًا لاختبار صدقية الخطاب الديمقراطي نفسه، وعنصرًا مؤثرًا في تشكيل الوعي السياسي بما يجعل الموقف منها شأنًا داخليًا بقدر ما هو موقف من قضية دولية، لم تعد المعركة على فلسطين تدور فوق أرضها وحدها، بل امتدت إلى ساحات العالم، حيث تتواجه المصالح مع المبادئ، وتُختبر الديمقراطيات في قدرتها على ترجمة قيمها المعلنة إلى مواقف وممارسات، وحيث تتحول فلسطين، بفعل استمرار مقاومتها واتساع التضامن معها، من قضية تحرر وطني إلى قضية عالمية تكشف طبيعة النظام الدولي وحدود عدالته.
اسوق هذا لأتوقف أمام “تدويل القضايا وانعكاسة على تحقيق العدالة” هل مازال تدويل القضايا مجديا في ظل تراجع فاعلية النظام الدولي؟ السؤال هنا يتجاوز أهمية التدويل من حيث المبدأ، ليطرح إشكالية أعمق: ما قيمة اللجوء إلى المؤسسات الدولية إذا كانت القرارات لا تُنفَّذ، وموازين القوى تسمح لبعض الدول بتجاوز القواعد الدولية أو تعطيل تطبيقها؟
علينا التمييز بين أمرين: فاعلية النظام الدولي في فرض الحلول، وقدرة التدويل على التأثير في مسار قضية ما، فقد تتراجع قدرة المؤسسات الدولية على فرض قراراتها، من دون أن يفقد التدويل جميع وظائفه السياسية والقانونية والدبلوماسية. وبعبارة أخرى، لا ينبغي قياس جدوى التدويل فقط بقدرته على إنهاء النزاع فورًا، بل أيضًا بقدرته على حماية الحقوق، وتغيير مواقف الدول، وتوثيق الانتهاكات، وبناء شرعية دولية، وتهيئة الظروف لتسوية مستقبلية.
هل تراجع فاعلية الأمم المتحدة حقيقة أم انطباع؟
نعم هو حقيقة، تتبع موازين القوى العالمية وتلاقي المصالح، والمخاضات التي تخاض أيضا لتحوّل العالم من أحادي القطب الى متعدد الأقطاب، وهذا ما يعيق الهيئات الأممية عن القدرة على حل القضايا بما فيها طبعا القضية الفلسطينية بعد السابع من اكتوبر.
كيف يساهم تدويل القضايا في إنهاء النزاعات؟
فضح الانتهاكات، زيادة الضغط الدولي بالعقوبات والمقاطعة، توفير الوساطة والمفاوضات، حشد التضامن العالمي المظاهرات و الحملات الشعبية من اجل زيادة الضغط على الحكومات لتغيير سياستها، وتعزيز الشرعية القانونية من خلال القرارات الدولية والاتفاقيات في دعم حقوق الشعوب.
لا يقتصر التدويل على الحكومات والمؤسسات الرسمية، الرأي العالم العالمي هو الذي يؤثر في القرارات السياسية، وهنا علينا التوقف كثيرا حول الرأي العام العالمي اليوم من القضية الفلسطينية وشكل الصراع مع الصهيونية.
هل تغيّر الرأي العام العالمي اتجاه “اسرائيل” فعلًا؟
نعم، وهناك مؤشرات قوية على أن “اسرائيل” تواجه تراجعًا كبيرًا في صورتها الدولية، وليس ذلك مجرد انطباع ناتج عن انتشار مقاطع الحرب على وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن النظرة السلبية إلى “اسرائيل” لا تعني بالضرورة أن جميع هؤلاء يؤيدون الحقوق الفلسطينية كاملة، أو يدعمون مقاطعة “اسرائيل”، أو يرفضون وجودها، واستخدم هنا “اسرائيل” لا الكيان الصهيوني لاطرح السؤال الأهم..
العالم ضد “اسرائيل” أم ضد الصهيونية؟
هناك رفض واسع حقيقي لسياسات “الحكومة الاسرائيلية” في دول عديدة، وعلى مستوى اخر هناك مواقف قانونية دولية واسعه ترفض الاحتلال والاستيطان، أما رفض الصهيونية باعتبارها مشروعا سياسيا فهذا مختلف عليه، ولا يشكل حالة جامعة. وبالتالي فإن رفض وجود “الاسرائيلي” على الارض الفلسطينية ليس شرطا للتضامن مع فلسطين ولا يتساوى مع معارضة الاحتلال.

يمكن أن يكون الإنسان مؤيدًا للحقوق الفلسطينية، ورافضًا للاحتلال والتمييز والاستيطان، من دون أن يتبنى العداء للصهيونية وبالمقابل، فإن رفض العنصرية لا يعني تبرير سياسات “الحكومة الاسرائيلية” أو إعفاءها من المساءلة.
تطوير الوعي العالمي تدريجيًا من مرحلة رفض السلوك “الإسرائيلي”، الممارسات، إلى فهم جذور المشكلة المتمثلة في البنية الأيديولوجية الاستعمارية، الصهيونية.
نحن أمام بداية تحول تاريخي؟
الحراك العالمي اليوم ليس وهمًا، وهناك أدلة استطلاعية وسياسية على تراجع مكانة الكيان الصهيوني الدولية. لكن هذا لا يعني أن العالم اتفق على إنهاء الصهيونية، ولا أن الحكومات مستعدة تلقائيًا لفرض ثمن على (دولة إسرائيل).
التحول الحاسم يحدث عندما يصبح استمرار الاحتلال أكثر كلفة سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا من إنهائه. إذن المطلوب اليوم الضغط من خلال تنمية فعل المقاومة والصمود، بما يضمن تحول هذا التغيير الى سياق أكثر صلابة باتجاه تحقيق العدالة، وتواصل الضغوط الشعبية العالمية وزيادة الاجراءات القانونية والدبلوماسية والاقتصادية بما يُفضي الى تغير الحسابات، ومراكز القوى.
أما المسار الخطير الآخر الذي علينا التنبه له، هو مسار احتواء هذا الحراك العالمي، استمرار الإدانات والتظاهرات، وفي الوقت ذاته تبقى المصالح الاستراتيجية تحد من الإجراءات، ويُعاد تقديم القضية الفلسطينية بوصفها ملفًا إنسانيًا، بينما يتواصل الاستيطان وتتآكل فرص الدولة الفلسطينية.
والخطر الأكبر هو أن يتزايد التعاطف مع الفلسطينيين دوليًا في الوقت الذي تتراجع فيه إمكانية قيام دولة فلسطينية فعلية على كامل الأرض الفلسطينية التاريخية.