كينيدي ومعركة السيادة: عندما تتقدّم حماية الكيان الصهيوني على حقوق الفلسطينيين واحتياجات الأميركيين
د.نبيلة عفيف غصن
مقدّمة: الصراع على الأولويات والسيادة

لم تكن المواجهة بين الرئيس الأميركي جون كينيدي والقيادة الصهيونية بشأن المفاعل النووي في ديمونا مجرّد خلاف تقني حول منشأة نووية، بل عكست صراعاً أعمق حول حدود النفوذ داخل العلاقة الأميركية ـ الصهيونية، وحول الجهة التي تمتلك حق تحديد المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة. فقد حاول كينيدي إخضاع البرنامج النووي الصهيوني لمتطلبات الرقابة والشفافية، انطلاقاً من مخاوف تتصل بانتشار الأسلحة النووية وبقدرة واشنطن على ضبط التزاماتها الأمنية.

الأطروحة المركزية هنا هي أنّ قضية ديمونا تكشف تناقضاً بنيوياً في السياسة الأميركية: كيف تستطيع دولة أن ترفع شعارات الديمقراطية والسيادة وحقوق الإنسان، فيما توظّف موارد سياسية ومالية ودبلوماسية ضخمة لحماية التفوّق الاستراتيجي للكيان الصهيوني، من دون أن تحظى الاحتياجات الاجتماعية والصحية والتعليمية لمواطنيها بالاهتمام نفسه؟

بالنسبة إلى الفلسطينيين، تتصل هذه المسألة بحقهم في الأرض والأمن وتقرير المصير، وباختلال موازين القوة التي تحيط بصراعهم. وبالنسبة إلى الأميركيين، تتصل بمساءلة السلطة السياسية عن أولويات الإنفاق العام، وحدود تأثير المصالح الخاصة في صناعة القرار.

أولاً: كينيدي وديمونا ـ اختبار حدود الاستقلال الأميركي

أثارت منشأة ديمونا النووية، التي بدأت أعمال إنشائها في أواخر خمسينيات القرن العشرين، قلقاً أميركياً متزايداً مع اتضاح طبيعة المشروع وإمكاناته. وخلال رئاسة كينيدي، سعت الإدارة الأميركية إلى الحصول على معلومات أكثر وضوحاً بشأن البرنامج النووي الصهيوني، وطالبت بعمليات تفتيش وزيارات دورية للموقع.

لم يكن الخلاف تفصيلاً عابراً؛ فامتلاك السلاح النووي أو الاقتراب من امتلاكه يغيّر حسابات الردع الإقليمي، ويؤثر في استقرار المنطقة وفي قدرة القوى الأخرى على تقدير المخاطر. لذلك، شكّلت مطالبة كينيدي بالرقابة محاولة لإبقاء البرنامج ضمن حدود يمكن للولايات المتحدة مراقبتها، بدلاً من التعامل مع الأمر باعتباره امتيازاً استراتيجياً خارج المساءلة.

لكن هذه المواجهة أظهرت أيضاً حدود النفوذ الأميركي عندما يتعارض مع أولويات حليف يحظى بمكانة استثنائية في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن. وهنا يبرز السؤال: هل تُطبَّق معايير منع الانتشار النووي على الجميع بالتساوي، أم تتغير وفقاً لهوية الدولة وموقعها في شبكة التحالفات الدولية؟

ثانياً: التفوّق النووي واختلال موازين القوة

إنّ خطورة ديمونا لا تكمن في المنشأة وحدها، بل في انعكاساتها على البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. فالغموض الذي يحيط بالقدرات النووية الصهيونية يثير أسئلة تتعلق بالردع والمساءلة وإمكانات نشوء سباق تسلّح إقليمي.

بالنسبة إلى الفلسطينيين، لا يمكن فصل اختلال موازين القوة عن واقع الاحتلال والقيود المفروضة على الحقوق الوطنية. فحين تجتمع القوة العسكرية المتفوّقة مع الدعم الدبلوماسي والمالي الأميركي، تصبح قدرة الطرف الفلسطيني على انتزاع ضمانات دولية عادلة أكثر صعوبة، فيما تتراجع فاعلية المطالبات بالمحاسبة إذا لم تقترن بآليات تنفيذ متساوية.

ولا يعني ذلك اختزال المأساة الفلسطينية في العامل النووي، بل إدراك أنّ العدالة لا تتحقق بمجرد إعلان المبادئ، وإنما تحتاج إلى منظومة دولية تطبّق قواعدها على الجميع، وتحول دون استخدام التفوّق العسكري وسيلة لفرض وقائع سياسية دائمة.

ثالثاً: من ديمونا إلى المال العام الأميركي

تتجاوز القضية حدود السياسة الخارجية لتلامس جوهر العقد الاجتماعي داخل الولايات المتحدة. فالأموال المخصصة للمساعدات الخارجية والدعم العسكري تخضع لقرارات سياسية تتنافس فيها أولويات الأمن القومي مع احتياجات المجتمع.

وبينما تستمر معاناة شرائح أميركية من ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والتعليم والسكن، يحق للمواطنين أن يسألوا عن كيفية توزيع الموارد العامة، وعن حجم الفوائد الاستراتيجية الفعلية التي يحققها الإنفاق الخارجي، وعن الجهات التي تتحمل كلفته النهائية.

ليس المطلوب وضع المرضى والطلاب والأسر الأميركية في مواجهة الفلسطينيين، بل رفض هذه المقايضة من أساسها. فحقوق الفلسطينيين ليست سبباً في حرمان الأميركيين من الخدمات الأساسية، كما أنّ تحسين حياة الأميركيين لا يستلزم تجاهل معاناة الفلسطينيين. المشكلة الحقيقية تكمن في خيارات سياسية ومالية ينبغي إخضاعها للنقاش والمحاسبة الديمقراطية.

رابعاً: النفوذ والشفافية وحق المجتمع في المساءلة

تطرح قضية ديمونا، إلى جانب ملفات أخرى تتصل بالعلاقات الأمنية والنووية الأميركية ـ الصهيونية، سؤالاً حول شفافية القرار السياسي ومدى خضوعه للمصلحة العامة. وتزداد أهمية هذا السؤال عندما تتداخل اعتبارات الأمن القومي مع جماعات الضغط والمصالح الاستراتيجية.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل هناك سيطرة كاملة على القرار الأميركي؟

 المطلوب هو التحقيق في الأدلة، والإفصاح عن المصالح، وضمان خضوع المؤسسات المنتخبة للمساءلة، بدلاً من استبدال البحث العلمي بأحكام ضبابية.

خاتمة: السيادة لا تتجزّأ والعدالة لا تنتقي ضحاياها

إنّ ديمونا ليست مجرد فصل من تاريخ الخلاف بين كينيدي والقيادة الصهيونية، بل مرآة لعلاقة القوة بالسيادة والمساءلة. فهي تذكّر بأنّ التحالفات، مهما بلغت أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى إعفاء دائم من الرقابة، وأنّ الأمن لا يمكن أن يكون مبرراً لتطبيق قواعد مختلفة على أطراف مختلفة.

بالنسبة إلى الفلسطينيين، تبدأ العدالة بإنهاء الاحتلال وصون الحقوق الوطنية وإقامة نظام إقليمي لا يقوم على التفوّق المفروض بالقوة. وبالنسبة إلى الأميركيين، تبدأ باستعادة حق المجتمع في معرفة كيف تُنفق أمواله، وكيف تُحدَّد أولوياته، ومن يستفيد من قرارات حكومته.

إنّ المعيار الحقيقي للسيادة ليس قدرة الدولة على حماية حلفائها فحسب، بل قدرتها على حماية مصالح مواطنيها واحترام حقوق الآخرين في آن واحد. وما لم تخضع القوة للمساءلة، ستظل الديمقراطية شعاراً ناقصاً، وستظل كلفة الاختلال الاستراتيجي والاجتماعي يدفعها أولئك الذين لا يملكون النفوذ الكافي لتحديد القرار.

المصدر/ بروفايل نيوز