هل تتنافس مقاربتان أمريكيتان على إدارة الشرق الأوسط، أم تتعدد الأدوات ضمن استراتيجية واحدة لحماية النفوذ الاستعماري؟
مقدمة: من يدير الصراع، ومن يحدد شروط السلام؟
لا يكفي لفهم السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط أن نتابع تصريحات المسؤولين أو نحصي الصفقات الاقتصادية والعقوبات العسكرية والمالية. فالسؤال الأعمق هو: ما طبيعة النظام الإقليمي الذي تسعى واشنطن إلى بنائه؟ ومن يحدد قواعده، ومن يستفيد من ترتيباته، ومن يتحمل تكاليف الصراعات التي تنتج عنها؟
تكتسب المقارنة بين توم باراك، المرتبط بعالم المال والأعمال والعلاقات الشخصية مع الرئيس دونالد ترامب، وماركو روبيو، الذي انتقل من مجلس الشيوخ إلى وزارة الخارجية الأمريكية، أهمية خاصة في هذا السياق. فالرجلان يمثلان موقعين مختلفين في صناعة السياسة الخارجية: أحدهما يمتلك خبرة في الاستثمار والتفاوض عبر شبكات العلاقات الاقتصادية والسياسية، والآخر ينتمي إلى تيار جمهوري أكثر تشدداً تجاه إيران والخصوم الاستراتيجيين للولايات المتحدة، ويتمسك بتحالف واشنطن مع الكيان الصهيوني.
لكنّ الاختلاف بينهما لا يثبت، في حد ذاته، وجود مشروعين متعارضين. كما أنّ تقاطع مصالحهما لا يثبت أنّهما ينفذان خطة موحدة مسبقاً.
الأدق هو دراسة طبيعة الأدوات التي يمثلها كل منهما، ومجالات التقاطع والتعارض بينها، ثم إخضاع النتائج لمعيار يتجاوز المصالح الأمريكية المباشرة: هل تؤدي هذه السياسات إلى توسيع قدرة دول المنطقة على تقرير مصيرها، أم تعيد إنتاج التبعية من خلال أدوات اقتصادية وأمنية مختلفة؟
هذه هي المسألة الجوهرية؛ لأنّ نجاح واشنطن في انتزاع تنازل أو توقيع اتفاق لا يعني بالضرورة نجاحها في بناء سلام مستدام، كما أنّ تدفق الاستثمارات لا يثبت أنّ المجتمع المستفيد أصبح أكثر سيادة أو استقلالاً.
أولاً: توم باراك وفلسفة النفوذ عبر الاقتصاد والعلاقات السياسية

  1. من الاستثمار إلى الدبلوماسية
    تكوّن جانب مهم من خبرة توم باراك في عالم العقارات والاستثمار، من خلال تأسيسه شركة كولوني كابيتال (Colony Capital)، التي ارتبط اسمها لاحقاً بمجموعة ديجيتال بريدج (DigitalBridge). كما عُرف بعلاقته الطويلة بدونالد ترامب، وترأس اللجنة المنظمة لتنصيب ترامب عام 2017.
    وفي إدارة ترامب الثانية، تولى باراك منصب سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، وكُلّف أيضاً بمهمة المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا الشام. ويمنحه هذا الموقع دوراً مهماً في التواصل السياسي بشأن التحولات السورية والعلاقات الإقليمية، وإن ظلّ عمله خاضعاً لتوجيهات الرئيس والإطار المؤسسي للسياسة الخارجية الأمريكية.
    توضح هذه السيرة أنّ باراك يجمع بين الخبرة الاقتصادية والوصول إلى دوائر القرار السياسي. لكنها لا تبرر، وحدها، القول إنّه يمثل مصالح جميع المستثمرين المرتبطين به، أو إنّ علاقاته الإقليمية تشكل شبكة تتحكم بالقرار الأمريكي.
    المهم تحليلياً هو أنّ الدبلوماسية القائمة على العلاقات الشخصية والصفقات تستطيع فتح قنوات تفاوض خارج المسارات التقليدية، وربط القضايا السياسية بمشاريع الاستثمار والطاقة والنقل وإعادة الإعمار.
    غير أنّ هذه المرونة تطرح سؤالاً عن حدود الشفافية والمساءلة: هل تُبنى التفاهمات على قواعد مؤسسية واضحة، أم تعتمد على تفاهمات شخصية يصعب تقييمها أو ضمان استمرارها بعد تغير المسؤولين؟
    توم باراك والأجندة البريطانية: هل هناك “يد للـ MI6″؟
    ​أ. لماذا يُربط باراك ببريطانيا والمصالح اللندنية؟
    ​لا ينبع هذا الربط من فراغ، بل يستند إلى تقاطعات أسلوبية وتاريخية في التعاطي مع الشرق الأوسط:
    المدرسة البريطانية الإمبراطورية (دبلوماسية التوازن والشبكات): المدرسة الاستخباراتية والدبلوماسية البريطانية التاريخية في الشرق الأوسط (تراث المندوبين السامين وخبراء “المكتب العربي” في القاهرة ولندن) تعتمد على إدارة النفوذ عبر القبائل، النخب المحلية، الملكيات المحافظة، ورجال الأعمال، وليس عبر الاجتياحات العسكرية أو الديمقراطية القسرية. باراك يتحدث علناً بلغة شبيهة جداً بـ “الحكمة البريطانية التقليدية”، حيث يصرح باستمرار بأن تدخلات الغرب وفرض النماذج الديمقراطية بعد سقوط الدولة العثمانية كانت “خطأً كبيراً”، وأن النموذج الأكثر استقراراً في المنطقة هو الملكيات والإدارات البراغماتية.
    ​شبكات لندن المالية والخليجية: باراك يمثل مصالح “سيتي أوف لندن” (City of London) وعوالم المال العابرة للحدود التي تلتقي فيها الثروات الخليجية برؤوس الأموال الغربية. لندن تعتبر دائماً مركز الثقل المالي والأمني الخلفي لإدارة أزمات الشرق الأوسط بعيداً عن صخب واشنطن.
    البراغماتية والتواصل مع الخصوم: تماماً كما تفعل جهاز الاستخبارات الخارجي البريطاني (MI6) بالاحتفاظ بقنوات خلفية مفتوحة مع جميع الأطراف (بما في ذلك القوى الإسلامية والمجموعات المسلحة)، يُعرف عن باراك مرونته العالية وتواصله مع أطراف لا تتحدث معها واشنطن علناً (مثل تواصله وتفاهماته الميدانية حول سوريا، تركيا، وحوارات التهدئة).
    ​ب. طبيعة المرجعية والمصلحة (خلف خلفية باراك)
    ​المرجعية هنا ليست بالضرورة “تلقي أوامر مباشرة من لندن”، بل ينتمي باراك إلى “المجمع المالي-الاستخباري الأنجلو-أمريكي” الذي يرغب في:
    .1 ​الاستقرار والتجارة: حماية تدفق النفط، الملاحة، والاستثمارات.
    .2 ​إدارة النفوذ بالوكالة: تجنب توريط الجيش الأمريكي (“No Boots on the Ground”)، ودفع دول المنطقة (مثل السعودية، تركيا، ومصر) لتحمل الأعباء الأمنية بنفسها.
  2. الاقتصاد بوصفه أداة لإعادة تشكيل الإقليم
    تستند مقاربة السلام الاقتصادي إلى فرضية أنّ المصالح التجارية المتبادلة تستطيع رفع كلفة الصراع، وأنّ الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والنقل والتكنولوجيا قد يخلق حوافز للتعاون بين الأطراف المتنافسة.
    وتقدم ترتيبات التطبيع الاقتصادي الإقليمية مثالاً على محاولة ربط العلاقات السياسية بمنافع تجارية واستثمارية. لكنّ هذه الترتيبات لا تثبت أنّ الاقتصاد قادر على معالجة الصراعات الوطنية أو أنّها أنتجت سلاماً شاملاً لجميع الأطراف.
    فالاقتصاد ليس قوة محايدة. إنّه يوزع الموارد، وينشئ علاقات اعتماد، ويمنح الجهات التي تتحكم بالتمويل والتكنولوجيا والممرات التجارية قدرة على التأثير في القرارات السياسية.
    لذلك، لا يكفي أن نسأل عن حجم الاستثمارات التي يمكن أن تدخل المنطقة. بل ينبغي أن نسأل: من يملك الأصول الاستراتيجية؟ من يحدد شروط التمويل؟ من يتحكم بالتكنولوجيا؟ وهل ترفع المشاريع قدرة الدول على الإنتاج واتخاذ القرار، أم تجعلها أكثر اعتماداً على الشركات والقوى الخارجية؟
    إنّ الاستثمار الذي يرفع الإنتاج المحلي، ويطور المعرفة، ويوفر فرص العمل، ويعزز المؤسسات العامة، يمكن أن يدعم السيادة الاقتصادية. أما الاستثمار الذي يحتكر الموارد أو يربط التنمية بشروط سياسية خارجية، فقد يحول الحاجة الاقتصادية إلى وسيلة ضغط.
  3. فلسطين: لا يمكن شراء الحقوق الوطنية
    تظهر حدود السلام الاقتصادي بوضوح في القضية الفلسطينية. فالصراع لا يقتصر على الفقر أو البطالة أو نقص البنية التحتية، بل يرتبط بالأرض والحقوق الوطنية والسيادة والتهجير والاحتلال وتقرير المصير.
    قد تسهم المشاريع الاقتصادية في تحسين الظروف المعيشية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الحقوق السياسية. وإذا جرى استخدام التنمية لتأجيل هذه الحقوق أو استبدالها بمنافع مادية، فإنّ الاقتصاد يتحول من أداة لتحسين الحياة إلى وسيلة لإدارة الصراع من دون معالجة أسبابه.
    ويقتضي المعيار نفسه عدم اختزال الفلسطينيين إلى مستفيدين محتملين من مشاريع التمويل، بل التعامل معهم بوصفهم أصحاب حقوق وإرادة سياسية.
    ومن منظور السيادة، لا يُقاس نجاح أي مشروع بحجم الأموال المرصودة له وحده، بل بقدرته على تحسين حياة السكان من دون تكريس السيطرة على الأرض والموارد أو فرض ترتيبات سياسية عليهم.
    ثانياً: ماركو روبيو ومنطق الضغط والردع والتحالفات الأمنية
  4. من مجلس الشيوخ إلى وزارة الخارجية
    يمثل ماركو روبيو اتجاهاً سياسياً جمهورياً معروفاً بتشدده تجاه الحكومة الإيرانية، وبمواقفه المناهضة لتوسع النفوذ الصيني والروسي، وبالدعم القوي للعلاقة الأمريكية مع الكيان الصهيوني.
    وقد تولى منصب وزير الخارجية في إدارة ترامب الثانية في يناير/كانون الثاني 2025، بعد مسيرة طويلة في مجلس الشيوخ الأمريكي.
    وتوفر جلسة تثبيته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، إلى جانب سجله التشريعي وتصريحاته الرسمية، مصادر أساسية لدراسة توجهاته. غير أنّ تحليل سياسته يجب أن يستند إلى مواقفه المعلنة وقرارات الإدارة الفعلية، لا إلى افتراض أنّه يتحكم وحده في القرار الأمريكي.
    فوزارة الخارجية تعمل ضمن منظومة تضم الرئيس ومجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع والكونغرس وأجهزة الدولة. ومن ثمّ، فإنّ السياسة التي تُنفذ لا تعكس بالضرورة رغبة وزير الخارجية وحده، بل حصيلة تفاعلات مؤسسية وسياسية متعددة.
    ماركو روبيو والأجندة الإسرائيلية: هل هو مبعوث المؤسسة الأمنية في تل أبيب؟
    ​أ. لماذا يُربط روبيو بإسرائيل وحكومة اليمين؟
    ​ارتباط ماركو روبيو بإسرائيل واللوبي الداعم لها هو أحد أكثر العلاقات وضوحاً في واشنطن:
    ​الدعم المؤسسي والمالي (AIPAC والأغلبية الصهيونية المسيحية): يُعد روبيو من أكبر المستفيدين من تبرعات شبكات اللوبي الإسرائيلي (AIPAC) واليمين المسيحي الإنجيلي في الولايات المتحدة خلال مسيرته في الكونغرس.
    ​تبني العقيدة الأمنية الإسرائيلية بالكامل:
    ​إيران ومحور المقاومة: يتبنى روبيو الرؤية الاستخباراتية الإسرائيلية (الموساد والـ أمان) الداعية إلى تقليم أظافر إيران كلياً، وفرض “الضغط الأقصى” الخالي من أي تسويات، وتدمير أذرعها (حزب الله، الحوثيين، الفصائل) كشرط أساسي لأي سلام.
    ​رفض التنازلات الجيوسياسية: يرفض روبيو الضغط على إسرائيل بشأن حدود 1967 أو حل الدولتين، ويدعم السيطرة الأمنية الإسرائيلية المطلقة (بما فيها الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، وهي النقطة التي اختلف فيها علناً مع باراك).
    ​التنسيق الاستخباري والأمني: يعتمد روبيو في صياغة تشريعاته ومواقفه داخل لجان الاستخبارات والخارجية بالكونغرس على تقديرات الموقف القادمة مباشرة من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ومراكز الأبحاث الحليفة لها في واشنطن (مثل FDD).
    ​ب. طبيعة المرجعية والمصلحة (خلف خلفية روبيو)
    ​المرجعية هنا هي التحالف العضوي بين الصقور في واشنطن والمنظومة الأمنية في تل أبيب:
    .1 ​التفوق العسكري الكاسح لإسرائيل: ضمان احتكار تل أبيب للردع الإقليمي.
    .2 ​إعادة تشكيل الإقليم بالقوة الصلبة: فرض الواقع السياسي بالقوة العسكرية والعقوبات الشاملة، بدلاً من البحث عن حلول وسط أو صفقات تجارية.
    .
  5. العقوبات: من الضغط الاقتصادي إلى النتائج السياسية
    تستند المقاربة الصقورية إلى أنّ العقوبات والقيود المالية والتكنولوجية والعزل الدبلوماسي تستطيع رفع كلفة سياسات الخصم ودفعه إلى التفاوض من موقع أضعف.
    وتوضح الأوامر التنفيذية الأمريكية المتعلقة بإعادة فرض العقوبات على إيران، ومنها الأمر التنفيذي رقم 13846 الصادر عام 2018، كيف تستخدم واشنطن الأدوات الاقتصادية في إطار أهدافها الأمنية والخارجية.
    لكنّ وجود الأداة لا يثبت نجاحها في تحقيق الهدف. فقد تحد العقوبات من الموارد المتاحة للدولة المستهدفة، لكنها قد تدفعها أيضاً إلى تطوير علاقات تجارية بديلة، أو تعزيز تعاونها مع قوى دولية أخرى، أو توسيع آليات الالتفاف على القيود.
    وقد يتحمل السكان كلفة اقتصادية واجتماعية مرتفعة، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تغيير السلوك السياسي الذي تستهدفه العقوبات.
    لذلك، ينبغي تقييم العقوبات وفق معايير واضحة: ما الهدف المحدد منها؟ ما المؤشرات التي تدل على تحقق هذا الهدف؟ ما شروط تخفيفها أو رفعها؟ وهل توجد قناة تفاوضية قادرة على تحويل الضغط إلى تسوية؟
    إنّ العقوبات التي لا ترتبط بمسار سياسي واضح قد تتحول إلى سياسة دائمة لإدارة المواجهة، بدلاً من أن تكون وسيلة لإنهائها.
  6. التحالف مع الكيان الصهيوني: أمن الحليف وحدود الاستقرار
    يحتل دعم الكيان الصهيوني موقعاً مركزياً في السياسة الأمريكية، وقد عبّر روبيو عن هذا التوجه في مواقفه السياسية والتشريعية.
    لكنّ تحليل العلاقة لا ينبغي أن يقتصر على التصريحات الشخصية؛ فهي تقوم أيضاً على التعاون العسكري والاستخباراتي والمساعدات الدفاعية والتنسيق السياسي.
    من منظور واشنطن، يشكل هذا التحالف ركيزة في ترتيبات الأمن الإقليمي. لكنّ تقييمه من منظور الفلسطينيين واللبنانيين وسائر المجتمعات المتأثرة بالصراع يقتضي النظر إلى نتائجه الفعلية: هل يساهم في خفض احتمالات الحرب، أم يؤدي إلى تثبيت اختلالات القوة وإضعاف الحوافز للتوصل إلى تسوية عادلة؟
    إنّ ضمان أمن طرف لا يعادل تلقائياً ضمان أمن المنطقة بأكملها. كما أنّ التفوق العسكري لا يزيل أسباب النزاع المرتبطة بالأرض والحقوق والسيادة.
    وتؤكد التجربة التاريخية أنّ القدرة على فرض الوقائع لا تضمن بالضرورة قبولها سياسياً، وأنّ استمرار تجاهل الحقوق الوطنية يمكن أن يجعل الاستقرار مؤقتاً، مهما بلغت قوة الردع.
    من هنا، فإنّ المعيار الذي ينبغي إخضاع السياسة الأمريكية له هو مدى اتساق التزاماتها الأمنية مع القانون الدولي، وحماية المدنيين، واحترام حقوق الشعوب، وفتح طريق سياسي قابل للاستمرار.
  7. المنافسة مع الصين وروسيا
    لا تنظر واشنطن إلى الشرق الأوسط باعتباره مجموعة أزمات منفصلة، بل بوصفه جزءاً من المنافسة الدولية على الطاقة والتجارة والتكنولوجيا والممرات البحرية والبنية التحتية.
    وتسعى الولايات المتحدة إلى منع منافسيها من بناء مواقع استراتيجية تمنحهم نفوذاً يصعب موازنته لاحقاً.
    لكنّ دول المنطقة ليست مجرد ساحات تتنافس عليها القوى الكبرى. فهي تسعى إلى تنويع علاقاتها، والحصول على التكنولوجيا، وجذب الاستثمارات، وتجنب الاعتماد الكامل على شريك دولي واحد.
    وقد يؤدي الضغط الأمريكي المفرط إلى نتائج عكسية إذا دفع دولاً حليفة أو شريكة إلى توسيع تعاونها مع الصين أو روسيا، أو إلى بناء ترتيبات إقليمية تقلل اعتمادها على واشنطن.
    وهنا تظهر مفارقة استراتيجية: قد تسعى القوة الكبرى إلى تثبيت نفوذها عبر الضغط، لكنها قد تشجع، من حيث لا تريد، على تنويع الشراكات والبحث عن بدائل.
    ثالثاً: هل نحن أمام مشروعين أم أداتين ضمن استراتيجية واحدة؟
    إننا أمام صراع ممتد بين مدرستين رئيسيتين في إدارة النفوذ الغربی؛ حيث يتجسد مشروع باراك في إطار “المدرسة الأنجلو-براغماتية”، معتمداً على أدوات رئيسية تتمثل في شبكات المال، الاستثمار، والدبلوماسية الخلفية، ومتبنياً موقفاً يقوم على احتواء إيران وإدراجها في التوازنات مع تجنب المواجهة الكبرى، انطلاقاً من نظرة للشرق الأوسط باعتباره سوقاً كبرى مستقرة تقودها “أنظمة قوية وملكيات محافظة”، عبر بناء تفاهمات واسعة مع قوى إقليمية كتركيا ودول الخليج وسوريا.
    ​في المقابل، يمثل مشروع روبيو “المدرسة الإسرائيلية-الصقورية”، متسلحاً بأدوات العقوبات المشددة، والتحالفات العسكرية، والسلاح، ومتبنياً رؤية تقوم على إنهاك النظام الإيراني وتفكيك نفوذه الإقليمي بالكامل أو خوض مواجهة شاملة معه، انطلاقاً من رؤية للشرق الأوسط باعتباره ساحة مواجهة أمنية جيو-استراتيجية لضمان التفوق الإسرائيلي المطلق، وجعل تل أبيب مركز الثقل الأوحد مع الضغط على جميع الأطراف الإقليمية للتكيف مع شروطها.
    إن  المقاربتين قد تتكاملان، وقد تتعارضان.
    تتكاملان عندما تستخدم الإدارة الضغط لتحسين شروط التفاوض، ثم تستخدم الحوافز الاقتصادية لتثبيت اتفاق. وتتعارضان عندما تتطلب الصفقة تنازلات أمنية يرفضها التيار الصقوري، أو عندما يؤدي استمرار الضغط إلى تعطيل تسوية يراها الاتجاه البراغماتي ضرورية.
    ولذلك، ينبغي تجنب وصف باراك بأنه ممثل السلام وروبيو بأنه ممثل الحرب. فالصفقات قد تُستخدم لترسيخ علاقات غير متكافئة، كما يمكن أن تكون العقوبات أداة تفاوض ضمن مسار سياسي محدد.
    والسؤال الأكثر دقة هو: ما المصالح التي تخدمها هذه الأدوات، وما الحدود التي تفرضها على خيارات الأطراف الإقليمية؟
    فإذا كانت النتيجة النهائية هي إبقاء القرارات الاستراتيجية لدول المنطقة رهينة للمساعدات أو الضمانات الأمنية أو شروط الاستثمار، فإنّ اختلاف الأدوات لا يغير بالضرورة جوهر العلاقة غير المتكافئة.
    أما إذا ساهمت التفاهمات في بناء مؤسسات مستقلة، وتطوير الإنتاج المحلي، واحترام الحقوق الوطنية، وتخفيف احتمالات الحرب، فإنّها تفتح مجالاً لنتائج أكثر استدامة.
    رابعاً: السيادة الوطنية معيار الحكم على إعادة الإعمار والتسويات
  8. لبنان: التمويل ليس بديلاً عن القرار الوطني
    يحتاج لبنان إلى إعادة الإعمار، واستعادة النشاط الاقتصادي، وتطوير الخدمات العامة، وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة. لكنّ هذه الاحتياجات لا ينبغي أن تتحول إلى مدخل لإخضاع القرار الوطني لشروط خارجية غير خاضعة للمساءلة.
    فالمساعدات والتمويلات يمكن أن تدعم التعافي إذا ارتبطت بالشفافية، وتطوير المؤسسات، وتحسين الخدمات، وتوزيع المنافع بصورة عادلة.
    أما إذا جرى توظيفها لفرض ترتيبات سياسية أو أمنية لا تنبع من عملية وطنية مسؤولة، فقد تؤدي إلى إعادة إنتاج التبعية بدلاً من معالجة الأزمة.
    ولا يمكن تحقيق استقرار اقتصادي مستدام من دون معالجة المخاطر الأمنية والسياسية التي تهدد البلاد، كما لا يمكن بناء دولة قوية بالاعتماد على الترتيبات الأمنية وحدها مع إهمال الإنتاج والعدالة الاجتماعية والمؤسسات.
    السؤال الأساسي هو: هل تزيد شروط إعادة الإعمار قدرة لبنان على اتخاذ قراراته، أم تجعل مستقبله الاقتصادي مشروطاً باستمرار رضى القوى الخارجية؟
  9. سوريا الشام: من يملك قرار إعادة البناء؟
    تتيح التحولات السياسية في سوريا الشام فرصاً لإعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية واستعادة النشاط الاقتصادي. لكنها تفتح أيضاً المجال أمام تنافس إقليمي ودولي على التمويل والطاقة والنقل ومواقع النفوذ.
    ويجب ألا يُختزل نجاح إعادة الإعمار في حجم الاستثمارات المعلنة أو سرعة انفتاح الأسواق. فالمعيار الأهم هو قدرة المجتمع على استعادة حياته، وقدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الموارد، واحترام حقوق السكان، وبناء علاقات خارجية متوازنة.
    كما ينبغي التمييز بين الاستثمار الذي يخلق قيمة إنتاجية محلية، والاستثمار الذي يكتفي بالاستحواذ على الأصول أو التحكم بممرات استراتيجية من دون تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني.
    إنّ إعادة البناء التي لا تعزز السيادة المؤسسية قد تنقل البلاد من أزمة إلى أخرى، حتى لو تحسنت بعض المؤشرات الاقتصادية على المدى القصير.
  10. فلسطين: لا تنمية مستدامة بلا حقوق
    في فلسطين، لا يمكن فصل الاقتصاد عن الاحتلال والسيادة وحقوق الشعب الفلسطيني. فأي تصور للسلام يتجاوز هذه المسائل يظل عاجزاً عن معالجة جذور الصراع.
    ويقتضي احترام الحقوق الوطنية ألا تُعامل المساعدات أو فرص العمل أو مشاريع البنية التحتية باعتبارها بديلاً من تقرير المصير، وألا تُربط التنمية بقبول ترتيبات تنتقص من الحقوق السياسية.
    إنّ التنمية المستدامة لا تعني تحسين المؤشرات الاقتصادية فحسب؛ بل تعني تمكين السكان من التحكم بمصادر رزقهم ومواردهم ومستقبلهم السياسي.
    خامساً: كيف نميز بين النفوذ المشروع والتبعية؟
    يتطلب تحليل شبكات النفوذ التمييز بين العلاقات المعلنة، والمصالح المتقاطعة، والتنسيق المثبت بالأدلة. فوجود علاقات بين مسؤول ورجال أعمال لا يثبت أنّ هؤلاء يتحكمون بقراراته، كما أنّ تقارب مواقف مسؤول مع جماعات ضغط لا يثبت أنّها صاحبة القرار النهائي.
    ولذلك، ينبغي أن تستند دراسة باراك وروبيو إلى أربعة أنواع من الأدلة:
    .1 التصريحات الرسمية وسجلات جلسات الاستماع في الكونغرس.
    .2 القرارات التنفيذية والتشريعات المتعلقة بالعقوبات والمساعدات والتعاون الأمني.
    .3 الاتفاقات الاقتصادية والاستثمارية المنشورة وشروطها القانونية.
    .4 النتائج الميدانية للسياسات، بما فيها آثارها في السكان والحقوق والسيادة.
    وتسمح هذه المنهجية بتجاوز التفسيرات القائمة على النوايا المفترضة، والتركيز على ما يمكن إثباته: من اتخذ القرار، وما الأداة التي استخدمها، وما الهدف المعلن، وما النتائج الفعلية؟
    فالمعيار ليس وجود النفوذ بحد ذاته، لأنّ العلاقات الدولية تتضمن دائماً أشكالاً متعددة منه؛ بل كيفية استخدامه، وحدود مساءلته، ومدى احترامه لحق المجتمعات في تقرير مستقبلها.
    سادساً: السيناريوهات المحتملة
    يمكن تحديد ثلاثة مسارات رئيسية لتفاعل المقاربتين:
    أولاً، التكامل بين الضغط والصفقة. تستخدم واشنطن العقوبات والضمانات الأمنية لتحسين شروط التفاوض، ثم تقدم حوافز اقتصادية لتثبيت تفاهمات جديدة. وقد يحقق هذا المسار نتائج عملية إذا كانت الالتزامات متبادلة وواضحة، ولم تتحول التسوية إلى فرض أحادي للشروط.
    ثانياً، غلبة الضغط الأمني. تتقدم العقوبات والردع على فرص التسوية. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة كلفة خيارات الخصوم، لكنه قد يطيل المواجهة ويدفعهم إلى تنويع شراكاتهم أو البحث عن وسائل موازنة جديدة.
    ثالثاً، غلبة الصفقات الاقتصادية. تتقدم الاستثمارات وإعادة الإعمار والتفاهمات التجارية، لكنّ تجاهل القضايا السيادية والحقوق الوطنية قد يجعل الاتفاقات هشة، أو يحولها إلى ترتيبات تستفيد منها النخب أكثر مما تستفيد منها المجتمعات.
    ولا يتوقف أي من هذه السيناريوهات على شخصيتي باراك وروبيو وحدهما؛ بل يتأثر بمواقف الأطراف الإقليمية، وتطورات الصراع، والاقتصاد العالمي، والتنافس الدولي، والضغوط الداخلية الأمريكية.
    خاتمة: لا سيادة تُشترى بالاستثمارات ولا سلام يُفرض بالقوة
    تكشف المقارنة بين توم باراك وماركو روبيو عن اختلاف في أدوات السياسة الأمريكية: مقاربة تراهن على العلاقات والصفقات الاقتصادية، وأخرى تمنح الأولوية للضغط والردع والتحالفات الأمنية.
    لكنّ الاختلاف في الوسائل لا يكفي لإثبات تناقض استراتيجي شامل، كما أنّ التقاطع في بعض الأهداف لا يثبت وجود خطة موحدة في كل الملفات. والحكم على المقاربتين يجب أن يستند إلى الوثائق والقرارات والنتائج، لا إلى الافتراضات المتعلقة بالنوايا وحدها.
    ومع ذلك، فإنّ السؤال الذي يتجاوز الرجلين هو طبيعة العلاقة التي تسعى واشنطن إلى بنائها مع المنطقة: هل تقوم على دول قادرة على حماية مصالحها واتخاذ قراراتها، أم على منظومة تتحدد فيها فرص التنمية والاستقرار وفق شروط القوى الأكثر نفوذاً؟
    بالنسبة إلى الفلسطينيين، لا يمكن للتمويل أن يحل محل الحقوق الوطنية. وبالنسبة إلى لبنان، لا ينبغي أن تكون إعادة الإعمار ثمناً للتنازل عن القرار الوطني. وبالنسبة إلى سوريا الشام، لا يجوز أن تتحول إعادة البناء إلى سباق لتوزيع النفوذ. وبالنسبة إلى مجتمعات المنطقة عموماً، لا يُقاس نجاح أي سياسة بمدى توافقها مع مصالح القوى الكبرى فقط، بل بقدرتها على حماية الإنسان وحقوقه وموارده ومستقبله.
    إنّ الاقتصاد يستطيع فتح أبواب التفاوض، والقوة تستطيع تغيير حسابات الأطراف، لكنّ أياً منهما لا ينتج سلاماً عادلاً بمفرده. فالاستقرار الذي يتجاهل الحقوق يظل هشاً، والتنمية التي لا تعزز القدرة الوطنية قد تتحول إلى اعتماد طويل الأمد، والردع الذي لا يفتح طريقاً سياسياً قد يصبح إدارة دائمة للصراع.
    المعيار الحقيقي ليس مَن يربح داخل الإدارة الأمريكية، بل ما إذا كانت نتائج سياساتها توسّع هامش السيادة لشعوب المنطقة أم تضيقّه. فالمستقبل لا ينبغي أن يكون صفقة تُبرمها القوى الكبرى فوق رؤوس المجتمعات، ولا توازناً أمنياً يفرضه الطرف الأقوى إلى أجل غير محدد؛ بل نظاماً إقليمياً تُحترم فيه الحقوق الوطنية، وتُصان فيه الموارد، وتُبنى فيه التنمية على استقلال القرار، وتكون فيه الشعوب أطرافاً فاعلة في تقرير مصيرها، لا مجرد موضوع للتفاوض بين الآخرين.
    إحالات ومراجع أساسية للتحقق والتوثيق
    أولاً: الوثائق الأمريكية الرسمية
    .1 وزارة الخارجية الأمريكية — السيرة الرسمية لماركو روبيو. يُرجع إليها للتحقق من منصبه ومساره الرسمي. الموقع المؤسسي: state.gov.
    .2 مجلس الشيوخ الأمريكي، لجنة العلاقات الخارجية — جلسة تثبيت ترشيح ماركو روبيو لمنصب وزير الخارجية، 15 يناير/كانون الثاني 2025. مصدر أولي لدراسة مواقفه المعلنة وأولوياته الخارجية. الموقع: foreign.senate.gov.
    .3 وزارة الخارجية الأمريكية — السيرة الرسمية لتوم باراك وصفته الدبلوماسية لدى تركيا، والمعلومات الرسمية المتعلقة بمهمته الخاصة في سوريا الشام. الموقع المؤسسي: state.gov، والسفارة الأمريكية لدى تركيا: tr.usembassy.gov.
    .4 الأمر التنفيذي الأمريكي رقم 13846، 6 أغسطس/آب 2018، بشأن إعادة فرض بعض العقوبات على إيران. وثيقة أولية لفهم أدوات الضغط الاقتصادي. النص الرسمي متاح عبر الأرشيف الحكومي للأوامر التنفيذية أو السجل الفيدرالي الأمريكي: federalregister.gov.
    .5 وزارة الخزانة الأمريكية — برامج العقوبات المتعلقة بإيران. مصدر رسمي لتحديد نطاق العقوبات وأسسها القانونية: home.treasury.gov/policy-issues/financial-sanctions/sanctions-programs-and-country-information.
    ثانياً: الوثائق الدولية المتعلقة بالسيادة والحقوق
    .6 ميثاق الأمم المتحدة، 1945. ولا سيما المادة الثانية المتعلقة بالمساواة في السيادة، وحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها في العلاقات الدولية. النص الرسمي: un.org/en/about-us/un-charter/full-text.
    .7 محكمة العدل الدولية، الرأي الاستشاري بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات الكيان الصهيوني في الأرض الفلسطينية المحتلة، 19 يوليو/تموز 2024. مرجع قانوني أساسي عند مناقشة الاحتلال والحقوق الفلسطينية. الموقع الرسمي: icj-cij.org.
    .8 مجلس الأمن الدولي، القرار 2334، 23 ديسمبر/كانون الأول 2016. يتعلق بالمستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية. النص متاح عبر نظام الوثائق الرقمية للأمم المتحدة: docs.un.org، رقم الوثيقة S/RES/2334(2016).
    ثالثاً: مراجع لفهم السياق السياسي والاقتصادي
    .9 اتفاقات أبراهام، 2020، والوثائق الرسمية المتعلقة بالتطبيع بين الكيان الصهيوني وبعض الدول. تُستخدم لدراسة العلاقة بين التطبيع السياسي والتعاون الاقتصادي، من دون افتراض أنّ هذه الترتيبات حلّت القضية الفلسطينية.
    .10 سجلات لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، والتصريحات الرسمية لوزارة الخارجية، والقرارات التنفيذية المنشورة في السجل الفيدرالي..
    د. نبيلة عفيف غصن