الياس فاخوري

كاتب عربي أردني

نقول “لا” في “تَشَهُّدِنا”، ونكررها مرفوعة للقوة تريليون وما بعدها: لا للفتنة، لا للطائفة، ولا للطائفية، وللمذهب، والمذهبية، والملّة، والتعصب، والعصبية، والشريعة، والمعتقد، والفرقة، والجماعة، والقبيلة، والعشيرة، والقوم، والمجموعة، والزمرة، والفوج، والفصيل، والعصبة، والرهط، والبعض، والفئة، والشرذمة، واللَمَّة، واللفيف، والثُلَّة، والجَمْع، والجَمْهَرَة، والجُزْء، والرتْل، والطَابُور، والعُصْبَة، والعِصَابَة، والفَرِيق، والفَصِيلَة، والفِئَام، والفِئَة، والقَافِلَة، والقِسْم، والقِطْعَة، والكَوْكَبَة، واللَفِيف، والمَعْشَر، والمَوْكِب، والنَفَر، والنَوْع، والشطر، والإِفْتِراق، والإِنْفِصال، والبُعْد، والشِقَاق، والفِرَاق، والزبائنية، وما رادفها من الفاظ ومعان تتزاحم لتوقظ الفتنة وتوقد نارها!

لا سنة، ولا شيعة، ولا متفرعاتها ومذاهبها وصراعاتها التي أدت لافتراق الأمة الى “73 فرقة كلها في النار الا واحدة” .. ولا كاثوليكية، ولا بروتستانية، ولا ارثوذكسية شرقية، ولا ارثوذكسية مشرقية ولا متفرعات المسيحية وفروعها ومذاهبها التي تحصى بالمئات!

وفي ظُلمة الجنون الترامبي ومحاولات تشريع الوصاية الأميركية على النفط والغاز والمعادن والممرات المائية وثروات العالم وخيرات الارض والسماء وفي صلبها استراتيجية “البنتاغون” – 2026 لتمكين إسرائيل من الشرق الأوسط، وإخضاع النصف الغربي من الكرة الارضيّة وبسط السيطرة الاميركية عليها .. وسواء استعصى طلب واشنطن او نجحت في فرض الاستسلام، فان كفّة المواجهة تَرْجَح وفقاً لساعة السابع من اكتوبر!

نعم، الفوضى تستشري في العالم .. وها هي النصوص والسيناريوات المسرحية تقدّم عرضاً لتراقص التنين والدببة القطبية وترامب على أرصفة وول ستريت وفي غرينلاند وكندا وعلى ارض المنطقة لكأننا امام مشهد دولي إقليمي يقود فيه ترامب العالم الى أبواب المقابر .. وهنا لا تُجدي الادعية والصلوات وعبثاً محاولات اقناع “الاله المتوحش” ان سقوط العالم يعني بالضرورة سقوطه. ولعل هذه النظرة الاميركية الاستراتيجية الى العالم هي التي حملت فرنسيس فورد كوبولا، مخرج “الرؤيا الآن” و”العراب” و”دراكولا”، على التساؤل “لماذا نظرة العنكبوت لا نظرة الملائكة؟”.

هل هو حقاً سقوط النظام العالمي ام تراه سقوط العالم الذي يتحول الى كوميديا سوداء بطلها ذلك الوحش الذي نصَّب نفسه ملكاً، بل الهاً، يحاول ان يحمل الكرة الأرضية بأسنانه، ولا يكتفي بادارتها مستخدماً سيقان “شهرزاد الاميركية” والهوت دوغ والروك اند رول ومتلاعباً (حجباً او ابتزازاً) بملفات ابستين وصولاً الى الشبكة العنكبوتية!

لا ننكر بروز بعض الظواهر التكفيرية هنا وهناك. لكن الاسلام لم يوجد ليقيم بين القبور، كما حاول الاخوان دالاس تصويره، وانما للاقامة في الرؤوس وفي القلوب التي تتفاعل ديناميكيا مع جدلية الأزمنة .. لن نقول ان جون فوستر دالاس منفردا هو من اخترع ذلك النوع الاعمى من الاسلام (“دعونا نصنع لهم إسلاماً يناسبنا”) بحجة درء الشيوعية .. هذا النوع من الاسلام يفارق عبقرية النص وتفاعليتة .. هذا النوع من الاسلام ان هو الا نتاج ذلك التواطؤ الهائل بين العديد من رجال السياسة والعديد من رجال الدين لتدخل “داعش” في كل واحد منا فندخل نحن في التأويل التلمودي للنص وللتاريخ، ونتيه خارج ديناميكية الزمن ..

التحريض المذهبي صنعتهم, وخلق الفتنة منهجهم، وتزييف الوعي وهندسة العقول والإدراك صناعتهم. وتتجلى اليوم قدراتهم هذه في التحريض على صراع داخل المنطقة استنفارا لشتى الانتمائات الديموغرافية والاثنية وإلدينية والمذهبية والثقافية والفكرية الأمر الذي يٌفضي الى مرحلة من الفوضى السياسية تعهد واشنطن لاسرائيل بادارتها توطئة لاحياء صفقة القرن، وبعثها وسيلةً ل”اسرائيل الكبرى”، من النيل الى الفرات، أو حتى “اسرائيل العظمى” التي تمتد من أول بيت على شاطئ المتوسط الى آخر بيت على شاطئ البحر الأحمر!

وفي خِضَمّ الظلم والظلمات الترامبية الجارفة، يصبح من الطبيعي ان لا نواجه مشاكل حياتنا القومية بالأحقاد الدينية وبالاقتتال على الجنة السماوية .. قالها فارس الخوري عندما احتلت فرنسا سوريا وحاولت استمالة المسيحيين حيث أبلغ الجنرال غورو فارس الخوري بأن فرنسا جاءت إلى سوريا لحماية مسيحيي الشرق، فما كان من فارس الخوري الا ان قصد الجامع الأموي يوم الجمعة واعتلى المنبر مخاطبا المصلين:“

إذا كانت فرنسا تدعي أنها احتلت سوريا لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي أطلب الحماية من شعبي السوري، وأنا كمسيحي من هذا المنبر أشهد أن لا إله إلا الله”!

واما انطون سعادة، فما زال التاريخ يحفظ افعاله والزمن يردد مقولته: “كلنا مسلمون لرب العالمين، منّا من اسلم لله بالانجيل ومنّا من اسلم لله بالقرآن ومنّا من اسلم لله بالحكمة” .. و”لا نريد الأديان أحزاباً في المجتمع”!

وهذه الكتب السماوية تدعو الى المصالحة بالعدل والاستقامة والقسط والتسامح والانصاف:

– “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (الحجرات – 9)–

وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ، مُتَسَامِحِينَ .. “وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَٱذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ” (متّى – 15:18) .. والْوَيْلُ لَلْكَتَبَة وَالْفَرِّيسِيُّنَ الْمُنَافِقُينَ الذين أَهْمَلْوا الْعَدْلَ وَالرَّحْمَةَ وَالأَمَانَةَ .. اما الْمُتَخَاذِلُ أَمَامَ الشِّرِّيرِ فهُوَ عَيْنٌ عَكِرَةٌ وَيَنْبُوعٌ فَاسِدٌ.

وهنا لا بد من “الراشِدَيْن” أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه) والامام علي (كرّم الله وجهه) فلا نعوذ من المعضلة بل نأتي ب”علي” لها تيمّناً بقول الفاروق عمر: “أعوذ من معضلةٍ، لا عليّ لها .. اللّهمّ لا تبقني لمعضلةٍ ليس فيها أبو الحسن .. لولا عليّ لهلك عمر” .. وفي هذا السياق، نستحضر كلمة الإمام علي حيث رأى ان الناس صنفان: “أخ لك في الدين، ونظير لك في الخُلُق”.

أما “الدين لله والوطن للجميع”، فقد قالها بطرس البستاني منذ قرابة قرنين من الزمن، وجاء على ذكرها الكثير من العلماء والمفكرين والقادة بالصيغة ذاتها وبصيغ اخرى.

فهذا شريف مكة الحسين بن علي، قد رأى في “اخوان من طاع الله” “جمعية سياسية ترتدي العباءة الدينية، وتدعو للهجرة في سبيل الله، والحشد باسم الدين، والجهاد ضد الاخر والاغيار” .. وقد قامت هذة الجمعية في سياق تنفيذ اتفاقية سايكس/ بيكو لاجهاض “حلم الثورة العربية الكبری”؛ ذلك المشروع القومي العربي في الحجاز الذي استقطب مجموعة من الثوار العرب المناضلين ضد الصهيونية والاستعمار نحو دولة قومية عربية .. وعندما رفض الشريف حسين التخلي عن “حلم الثورة العربية الكبری” وابى الانصياع لرغبة الإنجليز الاكتفاء بمملكة الحجاز، قام الإنجليز بالإيعاز لبعض القبائل ومساعدتهم بإحتلال الحجاز .. وفي عام 1925م تم النفي الثاني للشريف حسين الى قبرص حتى مرضه الأخير قبل ان يُنقل الى عمان، لتُعلن وفاته هناك، فالقدس ليوارى ثراها الطاهر!

اما “وليم مكرم جرجس ميخائيل عبيد” فقد اكتفى من اسمه ب”مكرم عبيد” تعبيراً عن موقفه المناهض للاستعمار البريطانى وهذه مقولته الشهيرة:“

نحن مسلمون وطنًا ونصارى دينًا، اللهم – يا رب المسلمين والنصارى – اجعلنا نحن المسلمين لك وللوطن أنصاراً، واجعلنا نحن النصارى نصارى لك، وللوطن مسلمين”!

ومن أقوال سلطان باشا الأطرش:

“نحن أمةٌ عظيمة في التاريخ، نبيلة في مقاصدها، قد نهضت تريد الحياة، والحياة حق طبيعي وشرعي، قسمها الاستعمار، فوحدتها مبادئ حقوق الإنسان. وفي هذا التوحيد، لم يعد في سوريا، درزي، وسنّي، وعلوي، وشيعي، ومسيحي، بل هم أبناء أمة واحدة، ولغة واحدة، وتقاليد واحدة، ومصالح واحدة، فلنؤلف بين قلوبنا الإخاء القومي، ومحبة الوطن، ولتكن إرادتنا إرادة حديدية واحدة”

وكانت المفكرة القومية العربية الاردنية ديانا فاخوري قد أجابت على سؤالٍ لزميل كريم بقولها: “وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا” و”وعلمانية”.. بدأت بجزء من الآية الكريمة 114 من سورة طه: “وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا” وأضافت “وعلمانية” لتُكمل من سورة العلق “ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (2) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (3) ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ (4) عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ”.. واشارت في ردها لكلمة “ٱقۡرَأۡ” التي وردت مرتين، وكلمة “عَلَّمَ” التي وردت مرتين، عداك عن كلمة “ٱلۡقَلَم”!

وختاماً لنقرأ من سورة “البقرة – 191”: “وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ” .. دعوها نائمة وتجنبوا “لعنة الله”!

فكما زينب، كذلك نحن “ما رأينا الا جميلا”:

الله (ﷻ) هو المقاوم الاول بحسنى أسمائه وكمال افعاله وله كتائبه وحزبه وانصاره ..الدائم هو الله، ودائم هو الأردن العربي، ودائمة هي فلسطين بغزتها وقدسها و”الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ” ..

سلام الأقصى والمهد والقيامة والقدس لكم وعليكم تصحبه انحناءة إكبار وتوقير لغزة واهلها – نصركم دائم .. الا أنكم أنتم المفلحون الغالبون ..