بقلم: الإعلامية والباحثة في الشؤون السياسية الدكتورة بدور ثابت قائد الديلمي
السعودية التي حاربت إيران في اليمن، تعود اليوم إلى طهران بحثًا عن التفاهم.. فماذا تغيّر؟ ومن الذي بات يخشى حسابات الحرب؟
ليست المشكلة أن تذهب السعودية إلى طهران، فالحوار مع الخصوم ليس عيبًا، والتفاهم بين الدول ليس جريمة، ووقف الحروب مطلب لا يختلف عليه عاقل. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في ازدواجية الخطاب السياسي، وفي سنوات من التحريض المذهبي الذي صوّر الخلافات السياسية وكأنها معركة بين الإسلام والكفر، ثم انتهى بالمتحاربين إلى البحث عن طاولة تجمعهم، بعدما أثبتت الوقائع أن الشعارات الطائفية لا تصنع انتصارًا، وأن الحروب لا تمنح أصحابها ضمانات دائمة.
السؤال الذي يحرج الرياض اليوم: إذا كانت إيران، وفق خطابها السابق، عدوًا مذهبيًا وخطرًا إقليميًا، فلماذا يصبح التفاهم معها ضرورة عندما تتعقد الحسابات وتتصاعد المخاطر؟ وإذا كانت صنعاء، وفق الرواية السعودية، مجرد طرف يمكن إخضاعه بالقوة، فلماذا ظل الملف اليمني حاضرًا في حسابات الأمن السعودي طوال سنوات الحرب؟
إن المشهد يطرح مفارقة سياسية تستحق المساءلة: السعودية التي دخلت الحرب على اليمن عام 2015 تحت عنوان حماية أمنها، تجد نفسها أمام ضرورة التعامل مع واقع إقليمي لم تستطع القوة العسكرية وحدها إعادة تشكيله.
واليوم، فإن أي انفتاح على طهران يفرض سؤالًا لا يمكن الهروب منه: هل نحن أمام مراجعة حقيقية لسياسات المواجهة، أم أمام محاولة جديدة لإدارة المخاطر بعد ارتفاع كلفة الصراع؟
أولًا: من صناعة العدو المذهبي إلى البحث عن التفاهم معه
لسنوات، لم يقتصر الخطاب السعودي تجاه إيران على الخلافات السياسية والاستراتيجية، بل اتخذت بعض الخطابات الإعلامية والدينية منحى مذهبيًا حادًا، وجرى استخدام توصيفات مثل «المجوس» و«الروافض» في سياقات التحريض والتعبئة ضد الخصوم.
لكن ما الذي تقوله السياسة اليوم؟إن الحديث عن لقاءات وتفاهمات مع طهران يكشف أن الدول، مهما تصاعدت خلافاتها، لا تستطيع إدارة مصالحها بمنطق الشعارات وحده. فالخصم الذي يُقدَّم للجمهور بوصفه خطرًا مطلقًا قد يصبح طرفًا مطلوبًا للحوار عندما تتغير الحسابات.
وهنا تتجلى المفارقة: إذا كان الحوار مع إيران ضرورة لحماية المصالح السعودية، فلماذا جرى تغذية خطاب مذهبي ساهم في تعميق الانقسام بين المسلمين؟ وإذا كانت المصالح تفرض التفاهم اليوم، أفلم يكن من الأجدر تجنيب شعوب المنطقة سنوات من التحريض والصراع؟إننا لا ننتقد الحوار مع طهران؛ بل ننتقد تحويل الخلاف السياسي إلى عداوة مذهبية، ثم التعامل مع الملف ذاته بمنطق المصالح عندما تقتضي الضرورة ذلك.فالمذاهب ليست أدوات لتبرير الحروب، والمسلمون ليسوا وقودًا لصراعات النفوذ، ولا يجوز أن تتحول العقائد إلى سلاح إعلامي يُرفع عند الخصومة ويُطوى عند التفاوض.
ثانيًا: اليمن.. الحرب التي لم تمنح الرياض النتيجة التي أرادتهاهنا يصل التحليل إلى جوهر القضية.فالسعودية التي قادت تحالفًا عسكريًا ضد اليمن منذ مارس 2015، كانت تتحدث عن استعادة الأمن وتحقيق أهدافها العسكرية والسياسية. لكن سنوات الحرب أظهرت أن إخضاع اليمن ليس مهمة سهلة، وأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تضمن فرض تسوية سياسية بالشروط التي يريدها الطرف الأقوى.وفي المقابل، دفع الشعب اليمني ثمنًا باهظًا من أرواح أبنائه ومعيشته وبنيته التحتية، وعانى تداعيات الحرب والقيود الاقتصادية والإنسانية.
وبعد كل هذه السنوات، يعود السؤال بقوة:إذا كانت الحرب قد حُسمت كما رُوّج في بعض الخطابات، فلماذا بقيت الحاجة إلى التهدئة والتفاوض قائمة؟ وإذا كان الحل العسكري قادرًا على إنهاء الصراع، فلماذا لم تتحول سنوات المواجهة إلى سلام مستقر يضمن أمن الجميع؟إن البحث عن تفاهمات إقليمية قد يكون مؤشرًا على إدراك أهمية الحلول السياسية، لكنه لا يثبت وحده أن السعودية تتفاوض مع إيران خوفًا من اليمن، ولا أن طهران تعهدت بحماية الرياض من أي تهديد يمني.ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الملف اليمني يمثل أحد العوامل الأساسية في حسابات الأمن السعودي، وأن أي تصعيد إقليمي جديد قد يزيد تعقيد المشهد ويضاعف كلفة المواجهة على جميع الأطراف.
والحقيقة التي ينبغي أن تدركها الرياض هي أن أمنها لا يتحقق بإضعاف اليمن أو إبقائه تحت ضغط الحرب والحصار، بل ببناء علاقة تقوم على احترام سيادته، ومعالجة أسباب الصراع، وإنهاء التدخلات التي تعرقل الوصول إلى تسوية عادلة.فاليمن ليس ساحة خلفية للسعودية، وليس ورقة تفاوض إيرانية، وليس شعبًا يمكن إخضاعه بالحصار أو إرغامه على التنازل عن حقوقه. إنه بلد له سيادته وشعبه وحساباته السياسية، وأي سلام مستدام يتطلب التعامل معه على هذا الأساس.
ثالثًا: هل تبحث الرياض عن مظلة تفاهمات تحميها من انفجار المنطقة؟
في ظل التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات أمنية واقتصادية على الخليج، يصبح الانفتاح السعودي على طهران مفهومًا من زاوية إدارة المخاطر.فالدول لا تنتظر دائمًا اندلاع المواجهة حتى تبحث عن قنوات اتصال، بل قد تسعى إلى منعها أو الحد من آثارها قبل أن تتسع دائرة الصراع.
لكن السؤال السياسي الأكثر حساسية هو: هل تريد الرياض تفاهمًا إقليميًا شاملًا يوقف التصعيد، أم أنها تبحث عن ترتيبات تخفف المخاطر عنها، بينما تبقى أسباب الصراع في ساحات أخرى قائمة؟إنه سؤال مشروع، لكنه يحتاج إلى إجابات من خلال التصريحات الرسمية والاتفاقات المعلنة والسلوك الميداني، لا من خلال الافتراضات وحدها.أما تصوير زيارة طهران باعتبارها طلبًا للحماية من «الغضب اليمني»، فيظل قراءة سياسية لا يجوز تقديمها كحقيقة مؤكدة من دون أدلة مباشرة.ومع ذلك، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الرياض واضحة: من يريد الأمن لنفسه، لا يستطيع أن يتجاهل أمن جيرانه، ومن يطلب التهدئة من خصم إقليمي، لا يمكنه أن يتوقع سلامًا مستدامًا مع استمرار أسباب النزاع في اليمن.
رابعًا: «حلف مكة» وطهران.. من يملك قرار السلام والحرب؟
إن الحديث عن لقاء أطراف إقليمية مع طهران، في إطار ما يُعرف بـ«حلف مكة»، يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي.ما طبيعة التفاهمات التي نوقشت؟ وهل تتعلق بخفض التوتر بين إيران ودول الخليج؟ وهل يشمل النقاش الملف اليمني؟ وهل توجد التزامات واضحة يمكن قياس نتائجها على الأرض؟
حتى تتوافر معلومات موثقة، لا يمكن الجزم بوجود اتفاقات سرية أو تحديد طبيعة التفاهمات التي ربما جرى بحثها.لكن الأهم من كل ذلك هو أن أي تفاهمات بين العواصم الإقليمية ينبغي ألا تتحول إلى ترتيبات لتقاسم النفوذ على حساب اليمن.فإذا كانت الرياض وطهران تريدان فتح صفحة جديدة، فعليهما إثبات ذلك بوقف السياسات التي تعمّق الصراع، واحترام سيادة الدول، وعدم تحويل الشعوب إلى أوراق ضغط متبادلة.ولا يجوز أن تتحول إيران إلى شريك مقبول حين يتعلق الأمر بأمن السعودية، ثم تصبح العلاقة بها تهمة مذهبية حين يتعلق الأمر باليمن. كما لا يجوز أن يكون التقارب السعودي الإيراني بابًا لإعادة ترتيب المواجهة في المنطقة على حساب الشعب اليمني.فالسلام الحقيقي لا يُقاس بعدد اللقاءات، بل بمدى احترام حقوق الشعوب واستقلال قراراتها.
خامسًا: الرسالة إلى الرياض.. لا يمكن الجمع بين خطاب التحريض وسياسة المصالح إلى الأبد
إن أكثر ما يثير التساؤل في المشهد هو الفجوة بين الخطاب السياسي الذي غذّى العداء المذهبي في المنطقة، وبين الضرورات التي تدفع الدول اليوم إلى التفاهم والحوار.فإذا كانت المصالح تبرر الجلوس إلى طاولة واحدة مع إيران، فإن العقل والمنطق يفرضان مراجعة الخطاب الذي استخدم المذهب لتأجيج الخصومة.وإذا كان التفاوض هو الطريق الممكن لخفض التصعيد، فلماذا لا تكون الأولوية لإنهاء الحرب في اليمن، ورفع القيود التي تزيد معاناة شعبه، وفتح مسار سياسي جاد يحفظ حقوق اليمنيين؟
إن المطلوب ليس أن تختار السعودية بين إيران واليمن، ولا أن تستبدل خصومة بأخرى، بل أن تتخلى عن منطق إدارة المنطقة عبر الصراعات، وأن تدرك أن استقرارها لا يمكن أن يقوم على إضعاف جيرانها أو تحويل الخلافات السياسية إلى معارك مذهبية.
ومن حق اليمنيين أن يسألوا: هل ستنعكس تفاهمات الرياض وطهران على واقعهم المعيشي والسياسي، أم ستظل العواصم تتبادل رسائل التهدئة بينما تستمر معاناة الشعب اليمني؟هذا هو الامتحان الحقيقي لأي تحول سعودي، وليس مجرد انعقاد لقاء دبلوماسي.
الخاتمة: من يطلب التفاهم مع طهران، عليه أن يراجع حساباته مع صنعاء
يا للسياسة حين تكشف تناقضات الخطاب! خصومة مذهبية في مرحلة المواجهة، وقنوات دبلوماسية في مرحلة البحث عن المصالح؛ اتهامات متبادلة في العلن، ومحاولات للتفاهم حين تفرض الحسابات الإقليمية نفسها.لكن التاريخ لا يُكتب بالشعارات وحدها، ولا تُقاس قوة الدول بقدرتها على إطلاق التهديدات، بل بقدرتها على حماية شعوبها وتجنب الحروب وصناعة السلام.
إذا كانت السعودية قد أدركت أن التفاهم مع إيران ضرورة لحماية مصالحها، فعليها أن تدرك أيضًا أن استمرار الصراع مع اليمن لا يصنع أمنًا دائمًا، وأن تجاهل حقوق اليمنيين لن يؤدي إلا إلى إطالة الأزمة.
وإذا كان خطاب «المجوس والروافض» قد استُخدم لتأجيج الخصومة، فإن المرحلة الراهنة تفرض سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا: أين ذهبت تلك الشعارات عندما أصبحت المصالح تقتضي الحوار؟
لسنا ضد الحوار السعودي الإيراني، بل نريد له أن ينجح إذا كان سيمنع الحروب ويحمي شعوب المنطقة. لكننا نرفض أن يكون السلام انتقائيًا، أو أن يتحول التفاهم بين الدول إلى صفقة تُهمَّش فيها حقوق الشعوب.
الرسالة إلى الرياض واضحة: لا يكفي أن تفتح أبواب طهران لتغلق ملف اليمن، ولا يكفي أن تتفاهم مع إيران لتتجاهل صنعاء. من يريد سلامًا حقيقيًا، عليه أن يوقف أسباب الحرب، ويحترم سيادة اليمن، ويتخلى عن التحريض المذهبي، ويقبل بأن أمن المنطقة مسؤولية مشتركة لا امتيازًا لطرف على حساب آخر.
فهل تكون طهران بوابة لمراجعة سعودية شاملة، أم مجرد محطة جديدة في رحلة البحث عن مخارج من أزمات صنعتها سنوات المواجهة؟
الأيام وحدها ستكشف حقيقة النوايا، لكن المعيار لن يكون ما تقوله الرياض أو طهران؛ بل ما سيتغير على الأرض، وما إذا كان الشعب اليمني سيرى نهاية للحرب والحصار، أم سيبقى يدفع ثمن تفاهمات لا يملك قرارها.
