محمد بربراوي_ القدس

شكلت سورية في لعبة الأمم ركيزة أساسية لضمان الوجود البشري تبعاً لموقعها الجغرافي في قلب العالم القديم، فلم يكن يوماً الصراع في قلبها وعليها مجرد نزاع عسكري بل كان يأتي من موقع امتلاك القوة في احتلال هذه المنطقة ، وفي العالم الحديث ما زالت سورية في عيون القوى الاستلاء عليها يعني الكثير من التحكم في هذا العالم ، وعلى طريق الشرق الأوسط الجديد تبرز أهمية سورية ويبرز ذلك في مشروع خط الغاز والذي مهدت له الحرب في سورية الطريق وفي سياق نفسه يكمن تصريح كونداليزا رايس عام 2006 في أثناء حرب تموز على الجنوب اللبناني عن الشرق الأوسط الجديد ، وليست الحرب على مدار أربعة عشر عاماً هي الدليل فقط على أهمية إسقاط سورية وجعلها في ركب القوى المتنفذة في هذا العالم فمشروع تقسيم سورية وبالخصوص الجمهورية العربية السورية كان وارداً منذ مئة عام ، لتكن أقاليم ولكل إقليم فيها من الديانات والطوائف مساحة من الأرض ، ومن هذه النقطة يتم تسهيل عملية الاستيلاء والسيطرة عليها من خلال شراء الولاءات لكن هذا المشروع في الجمهورية العربية السورية فشل حين اتحد السوريون فيما مضى ضد مشروع التقسيم ، وأثناء الحرب على سورية بدا جلياً هذا الشيء في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية في الجمهورية السورية ، وكذلك في مناطق الجنوب السوري ، حيث إن أصحاب الأيادي السوداء ارتضوا أن يكونوا جنوداً في رقعة شطرنج العالم الجديد وارتهنوا للإمبريالية وربيبتها إسرائيل. 

وحين الحديث عن سورية فإننا لا نقصد المنطقة الجغرافية المحددة الآن ، فسورية هي سورية الكبرى كما يعرفها التاريخ والتي تضم  في قلبها الجمهورية العربية السورية، والجمهورية اللبنانية، والمملكة الأردنية الهاشمية، ودولة فلسطين بكامل حدودها التاريخية، بالإضافة إلى جمهورية العراق، ودولة الكويت، وجزيرة قبرص. كما تمتد حدودها لتشمل لواء الإسكندرون والأقاليم السورية الشمالية التي تقع اليوم ضمن الأراضي التركية، إلى جانب أجزاء من شبه جزيرة سيناء المصرية، ومناطق من شمال المملكة العربية السعودية، ومن المعروف حينما أتى الاستعمار في وثيقة سايكس -بيكو عمد للتقسيم هذه المناطق لتصبح كما واقعها هي اليوم ،وأخطر ما يكمن في هذا التقسيم غدا كل إطار جغرافي دولة لها دستور وجيش وشعب منفرد ، وتتمادى الكوميديا السوداء في واقعها بأن تصبح هذه الأطر تسمي بعضها بالدول الشقيقة !ويذكُر التاريخ بأن كانت هناك مراسلات بين دول استعمار هذه المنطقة في عام 1915 وأسفرت هذه عن معاهدة سايكس -بيكو عام 1917 ، في هذا الوقت وتأكيداً للحقيقة التي بات حتى أبناء سورية الكبرى يتنكرون لها، كانت هناك المملكة العربية السورية في عام 1920 والتي لم تستمر أكثر من عام وانتهى حلم توحيد هذه المنطقة بعد عصور التتريك في العام نفسه في معركة ميسلون ، وبدأت خطة سايكس-بيكو تبصر في هذه الأرض فتم ما يعرف في سلخ الأقاليم،وعلى إثر سلخ الأقاليم اُقْتُطِع لواء الإسكندرون للدولة التركية ، والانتداب البريطاني الذي أسفر عن احتلال فلسطين التاريخية.

هذه مقدمة تاريخية نذكرها لنذكر أنفسنا دوماً بأننا أبناء سورية الطبيعية -الكبرى.

أكثر ما يؤرق دول الاستعمار والإمبراطورية وأدواتها في وطننا العربي ، وتحديداً في سورية الكبرى أن تتحد شعوبها ، ولأن الاتحاد والصحوة الفكرية ستثمر عن تجربة كتجربة الزعيم جمال عبد الناصر -والتي وإن كانت حملت أخطاء ، إلا أن منجزاتها بقيت -سورية عثرة في وجه المخططات

تنبع أهمية سورية الكبرى والجمهورية العربية السورية كما أسلفنا في الموقع الجغرافي الهام على خطوط التجارة العالمية بالإضافة للموارد التي تتيح لها الاستقلال عن النظام العالمي ، وقد شهدنا هذه الفترة في ظل حكم الأسد الأب والابن فقد شهدنا معنى الاكتفاء الذاتي ، والاقتصاد المستقل ، وكذلك جل الخدمات المقدمة مجانا والمفقودة الآن في سورية “الحرة”   وما إن جاء ما سمي زوراً الربيع العربي ، تبدلت الأوراق وبدأت محاولات العبث في سورية وأمنها ، وقد شهد في ذلك حمد بن جاسم رئيس الوزراء القطري في تلك الفترة عن غرفتي عمليات وكم تم ضخ من الأموال لإسقاط سورية ، سورية المشروع القومي العربي الذي بقي صامدا بعد سقوط بغداد على طريق الشرق الأوسط الجديد ، وكذلك إسقاط مصر من قبل السادات في معاهدات كامب ديفيد ، وبما أن الحديث كان صراحة من قبل أمريكا عن الشرق الأوسط الجديد والتي تتسيده إسرائيل والمُنفِذ له الكيان الغاصب والرجعية العربية وهنا وجب التنويه عزيزي القارئ لإعادة التذكير من هم أعداؤنا

1- الإمبريالية العالمية

2 – إسرائيل

3-الكيان الصهيوني

4-الرجعية العربية

وعودة لصلب موضوعنا:   في فترة الربيع” العربي ” لم تكن الأمور في سورية وكأنها أزمة أو حرب أهلية هي باحترافية المعنى والكلمة حرب كونية على سورية التي بقيت صامدة في وجه عاصفة النظام المالي العالمي ،وقلعة في معنى الصمود في وجه الإمبريالية الأمريكية والكيان ، ولعل نشوة الانتصار لدى نتنياهو إبان سقوط الدولة السورية تدل على المعنى في جملته ” نحن من أسقط الأسد ” ليست مجرد جملة قيلت بل تتعدى حدود سورية لتصل إلى العراق وتتغلل أكثر به ولتصبح الجبهة مفتوحة للكيان أمام إيران.سورية في الأمن القومي : 

كانت الجمهورية السورية تشكل حجر الأساس في الأمن القومي العربي بل والعالمي ، وفي ظل هذه الدولة بقيادة الأسد الأب حيث لعب الأسد دوراً هاماً في توازنات على الساحة العربية  وأعاد لسورية مكانتها على خريطة العالم وقد ساعد على ذلك موقعها الجيوسياسي ومن الأمور التي توضح هذا الدور العمل العربي المشترك ومثال ذلك حرب تشرين التحريرية- التي بات بعض السوريين يتنكرون لها ، بناء قوة عسكرية رادعة وكانت واضحة في سلاح الجو وكذلك معاهدته مع النظام السوفيتي آنذاك ،التمسك في الثوابت في عملية السلام وكان جلياً ذلك في رفض الحلول المنفردة على حساب القضية الفلسطينية ،  وما أكمله الابن فيما بعد  يشهد لذلك ، فكان هو السد المنيع والمانع الحقيقي لحرب في الإقليم وهذا ليس كلاماً إنشائي يكتب أو عاطفة تملي علينا ما نكتبه ، فقد بات واضحاً وضوح الشمس في النهار  الآن بعدما تمكن الإسلام-السياسي الذي تقوده الإمبراطورية والتي أنشأته بريطانيا كيف يعجل في السقوط أكثر للإقليم وليس حصراً في سورية ، وقد حذر الرئيس بشار الأسد مراراً من مغبة استخدام الإسلام السياسي والإرهاب عموما ضد سورية وكيف سيصبح الإقليم تحت وطأة هذا الإرهاب ، والعمل الإرهابي في الأردن خير المثال على ذلك وما حدث في محافظة الكرك  هو نتيجة حتمية لشرعنة الإرهاب في سورية ، وفي الحديث عن الحدث في الكرك بصورة أو أخرى زُرِع مفهوم الإسلام -السياسي الإرهابي هناك من خلال تدريب بعض الجماعات المسلحة التي تتبع لداعش وكذلك في غرفة الموك التي وجدت على الأراضي الأردنية ، وكانت القراءة خاطئة بل وفادحة في تقيم الحالة السورية والتعامل معها ، وربما كان سياسياً يجب أن يكون التعامل كما تعاملت مصر مع الوضع في سورية.

ولنمعن أكثر في أهمية سورية والدولة السورية في زمن الأسد ، فكان لسورية حلفاء للنظام من روسيا وكذلك الجماعات الإيرانية على الحدود مع الكيان ، بما لا شك فيه وجود بعض من الجماعات الإيرانية لم يكن مجرد وجود لمساندة النظام في الحرب الكونية على سورية ، كان يشكل مانعاً لتمادي الكيان في سورية  والوصول إلى ما أبعد منها لتنفيذ مخططاته ،ومع الأخذ بعين الاعتبار الجيش العربي السوري وتضحياته ، ولأن هذا الجيش كان يدرك معنى النشيد الوطني السوري فكانت دفاعات الجيش العربي السوري تحول أيضاً دون تقدم الكيان في السماء للوصول لسماء إيران.

ولم يدرك الخليج العربي للآن ما كان يعنيه النظام وكيف كان يحول دون أن تضرب بلاده التي زرعها في القواعد الأمريكية ، لكنها رعت الإرهاب وها هي اليوم تدفع ثمن التخلي عن سورية والارتهان للولايات المتحدة الأمريكية فكما أسلفت كان النظام السوري هو الحائل في منع وقوع الحرب بين إيران والكيان ، والآن بعد استلام كوهين العصر الحكم في سورية لم يعد هناك من يمنع فكل سماء وأرض بات يستطيع الكيان الوصول لها ومن يدفع ثمن هذه الحرب هي الدول العربية في الخليج.