أوقفوا الحرب وأنقذوا وحدة الوطن العربي !!
********
لم تعد الأزمة اليمنية مجرد صراع داخلي على السلطة بين قوى سياسية وعسكرية متنازعة، بل تحولت إلى أزمة إقليمية مفتوحة تتداخل فيها الحسابات المحلية مع المصالح الإقليمية والدولية، ويدفع الشعب اليمني ثمنها من أمنه واستقراره ووحدته ومستقبله. فمنذ اندلاع المواجهات واتساع نطاق التدخلات الخارجية، دخل اليمن في دوامة من العنف والانقسام، جعلت استعادة الدولة الوطنية وبناء مؤسساتها مهمة شديدة التعقيد. ومع تجدد المواجهات العسكرية خلال أكتوبر 2026، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة شاملة للمقاربات التي تعاملت مع الأزمة بمنطق القوة، وإدراك أن استمرار الحرب لن ينتج سوى مزيد من الدماء والخراب، وأن أي انتصار عسكري، مهما طال أمده، لن يكون بديلاً عن تسوية سياسية تعالج جذور الصراع وتضمن حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم بأنفسهم.
إن التدخل العسكري الذي قادته المملكة العربية السعودية في اليمن منذ عام 2015، تحت عنوان: “عاصفة الحزم” وبحاجة دعم الحكومة المعترف بها دولياً، لم ينجح في إنهاء الصراع أو إعادة الاستقرار المستدام إلى البلاد، بل أسهم، ضمن عوامل أخرى داخلية وإقليمية، في تعقيد المشهد وتوسيع نطاق المواجهة. ومن منظور علم الاجتماع السياسي، لا يمكن اختزال أزمة اليمن في مواجهة عسكرية بين طرفين، لأن الصراع يرتبط أيضاً بأزمة شرعية الدولة، وتنافس النخب على السلطة والثروة، وتراجع الثقة بين المكونات الاجتماعية والسياسية، وضعف المؤسسات القادرة على إدارة الاختلاف سلمياً. ومن ثم، فإن استمرار التدخل العسكري، أياً كانت مبرراته المعلنة، لا يعالج هذه الاختلالات، بل قد يعيد إنتاجها في صور أكثر عنفاً. والمطلوب اليوم أن تنتقل المملكة العربية السعودية من منطق الانخراط العسكري إلى دور سياسي محايد، يقف على مسافة واحدة من الأطراف اليمنية المتنازعة، ويدعم حواراً وطنياً شاملاً، مع وقف العمليات العسكرية والانسحاب الكامل للقوات الأجنبية من الأراضي اليمنية ورفع الحصار وفق ترتيبات متفاوض عليها تضمن السيادة اليمنية وأمن الحدود لجميع الأطراف.
وتظل وحدة اليمن وسلامة أراضيه مبدأً لا يجوز التفريط فيه تحت ضغط الانقسامات الراهنة أو الحسابات الإقليمية الضيقة. فاليمن ليس مجرد مساحة جغرافية يمكن إعادة تشكيلها وفق موازين القوة، وإنما وطن له تاريخه وهويته ومصالحه الاجتماعية والاقتصادية المشتركة، رغم تنوع مكوناته واختلاف توجهاتها السياسية. إن فرض تسوية بالقوة، أو تمكين طرف من إقصاء خصومه، لن يؤدي إلا إلى ترسيخ الانقسام وإطالة أمد الحرب الأهلية. ولذلك، فإن المصالحة الوطنية اليمنية تمثل مدخلاً ضرورياً لإعادة بناء الدولة، شريطة أن تقوم على الاعتراف بالتعددية، وضمان المشاركة السياسية، واحترام الحقوق والحريات، ورفض الإقصاء والثأر السياسي. ولا يعني الحفاظ على وحدة اليمن إنكار مظالم أي منطقة أو جماعة، بل يقتضي معالجة المظالم بالحوار والعدالة والتوافق الدستوري، وبناء صيغة سياسية تضمن لجميع اليمنيين حضوراً حقيقياً في إدارة شؤون بلادهم.
وفي هذا السياق، ينبغي أن يكون الحل السياسي برعاية عربية جادة، تستند إلى احترام السيادة اليمنية، وتمنع تحويل المفاوضات إلى وسيلة لكسب الوقت أو فرض الشروط بالقوة. فالدول العربية المعنية بالأزمة مطالبة بتوحيد جهودها للضغط من أجل وقف فوري لإطلاق النار، وفتح مسارات المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين والمنشآت المدنية، واستئناف المفاوضات دون شروط تعجيزية. كما يتعين على هذه الدول أن تدرك أن الحياد الإيجابي لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من الاعتداءات على المدنيين، بل يعني عدم الانحياز إلى طرف في التنافس على السلطة، مع الالتزام بمبادئ القانون الدولي ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق الإجراءات القانونية. إن الوساطة العربية المطلوبة ليست غطاءً لتكريس نفوذ إقليمي أو لتوزيع مناطق السيطرة، وإنما جهد مشترك لإنتاج اتفاق يمني جامع، يتضمن ترتيبات انتقال سياسي، وضمانات أمنية، وتوحيد المؤسسات الاقتصادية والخدمية، وآليات واضحة لتنفيذ الاتفاق ومراقبته.
أما استخدام القوة العسكرية وتبادل الهجمات، فلا يمكن أن يكونا طريقاً مستداماً لحماية الأمن السعودي أو الأمن اليمني. فالهجمات التي تستهدف المدنيين والمطارات والمنشآت المدنية والبنية التحتية، سواء داخل اليمن أو في المملكة العربية السعودية، تهدد حياة الأبرياء وتوسع دائرة الانتقام وتزيد احتمالات انزلاق المنطقة إلى مواجهة أشمل. ولا يصح أن تتحول المخاوف الأمنية المشروعة إلى مبرر مفتوح لاستمرار الحرب. وفي المقابل، فإن تصوير كل رد يمني باعتباره استهدافاً للمقدسات، من دون التمييز بين طبيعة الهجمات وأهدافها والجهات المسؤولة عنها، يختزل أزمة مركبة في خطاب تعبوي لا يساعد على فهمها أو حلها.
إن معالجة الأزمة تبدأ بالاعتراف بتسلسل الأحداث ومسؤولية كل طرف عن أفعاله، لا بتجاهل سياق التدخل العسكري الذي بدأ عام 2015، ولا بتبرير أي انتهاك لاحق بحجة الرد أو الانتقام. فالمعيار الذي ينبغي أن يحكم الجميع هو حماية الإنسان، واحترام السيادة، والاحتكام إلى القانون والدبلوماسية.
ولا يمكن فصل الصراع اليمني عن التنافس الأوسع على مستقبل المنطقة العربية، حيث تتقاطع المصالح الأمريكية والإسرائيلية وغيرها، وتصبح النزاعات الداخلية أحياناً ساحات لتوسيع النفوذ وإعادة ترتيب موازين القوة. ومن هذا المنطلق، نرى أن تفكك الدول العربية واستنزاف مواردها في صراعات بينية يفتحان المجال أمام قوى خارجية لتعزيز حضورها، ويضعفان قدرة المنطقة على حماية استقلال قرارها السياسي والاقتصادي. ولا يمكن أن نتغافل في هذا السياق عن مشروعات “الشرق الأوسط الكبير” و”الشرق الأوسط الجديد”، إلى جانب التصورات والخرائط التي قدمها برنارد لويس بشأن إعادة تشكيل المنطقة، ومشروع “إسرائيل الكبرى” المتداول في الخطاب السياسي الصهيوني. وبعيدا عن هذا الجدل فإن استمرار الصراع العربي ـ العربي يبدد الموارد، ويضعف التضامن الإقليمي، ويمنح القوى الخارجية فرصاً أوسع للتأثير في مستقبل المنطقة. ومن هنا، فإن حماية اليمن من التفكك ليست شأناً يمنياً فحسب، بل مصلحة عربية مشتركة تستوجب تغليب التعاون على التنافس.
إن اللحظة الراهنة تفرض على المملكة العربية السعودية، وعلى جميع الأطراف اليمنية والعربية المنخرطة في الأزمة، أن تسمع لصوت العقل، وأن تدرك أن كلفة السلام، مهما بلغت صعوبتها السياسية، تظل أقل من كلفة حرب مفتوحة لا تملك المنطقة ضمانات للخروج من تداعياتها. والمطلوب خطوات عملية تبدأ بوقف شامل للعمليات العسكرية والهجمات العابرة للحدود، والعودة إلى المفاوضات، وإطلاق مسار مصالحة وطنية يمنية لا يقصي أي طرف مستعد للاحتكام إلى قواعد سياسية سلمية، مع الاتفاق على ترتيبات انتقالية تضمن وحدة البلاد واستقلال مؤسساتها، وتضع أسساً عادلة لتقاسم السلطة والثروة وإعادة الإعمار. كما ينبغي للدول العربية أن تستخدم نفوذها الدبلوماسي للضغط من أجل الانسحاب العسكري الأجنبي وفق اتفاق واضح، وضمان أمن الحدود، ومنع تحويل الأراضي اليمنية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. إن الصراع العربي ـ العربي لا ينتج رابحاً حقيقياً، بل يضعف الجميع ويفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وسيظل السلام في اليمن اختباراً حقيقياً لقدرة النظام العربي على حماية دوله من التفكك، وعلى تحويل الخلافات السياسية إلى فرص للتسوية بدلاً من تحويلها إلى حروب تستنزف الشعوب وتبدد المستقبل، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
بقلم/ د. محمد سيد أحمد
