من أفغانستان إلى الخليج: هل تُصنع الفوضى لتهيئة العالم لحرب كبرى؟

فاتنة علي، لبنان/ سورية الطبيعية

تورّط العرب، ولم يتّعظوا من مسلسل التخلّي الأمريكي المتكرر؛ من أفغانستان إلى العراق، مروراً بأوكرانيا والأكراد في سوريا، وصولاً إلى الخليج العربي اليوم. تتبدّل الساحات، وتتغيّر الأدوات، لكن السؤال يبقى واحداً: إلى متى ستظلّ الشعوب والدول تراهن على حليفٍ أثبتت التجارب أن حساباته تحكمها المصالح، وأن التخلّي عن حلفائه يظلّ خياراً وارداً متى اقتضت الضرورة؟

لن أسأل: لماذا لم تتعلّموا أو تفهموا؟ فأنا مؤمنة بأن قليلًا من الناس من يفقهون، وأن القرآن صادق، وهم كاذبون.

لكن ما يجري اليوم يتجاوز حدود التخلّي عن الحلفاء؛ فنحن أمام مشهد عالمي متشابك، تتزامن فيه الأزمات الاقتصادية والاضطرابات الأمنية والتحوّلات العسكرية، بما يطرح تساؤلات جدّية حول طبيعة المرحلة التي نعيشها، والوجهة التي يُراد للعالم أن يسلكها.

من أوروبا إلى أفريقيا، مروراً بدول عربية، تعجّ الساحات بالمظاهرات والاحتجاجات؛ تارةً بسبب الغلاء المعيشي، وتارةً بسبب التعليم أو الأزمات الاجتماعية. فهل يمكن اعتبار هذا التزامن مجرّد صدفة؟

من الواضح، وفق هذه القراءة، أن المسألة لا تتعلق بالأزمات ذاتها فحسب، بل بكيفية توظيفها وتوجيه الاهتمام العام نحوها. وهنا تحضر فرضية «الفوضى الخلّاقة»: خلق حالة مستمرة من الاضطراب، تُستنزف فيها المجتمعات من الداخل، وتُشغل الشعوب بأزماتها اليومية، بينما تتشكّل في المقابل وقائع ميدانية وسياسية قد تكون أكثر خطورة وأبعد أثراً.

فبينما تنشغل الشعوب بمواجهة أزماتها، ماذا يجري على الضفة الأخرى، وتحديداً في الحسابات الأمريكية والإسرائيلية؟

في سوريا، يتواصل التوغّل الإسرائيلي في الجنوب، بالتزامن مع توسّع الاستيطان والاعتداءات في الضفة الغربية، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية في جنوب لبنان. وفي الأردن، بدأت انعكاسات المشهد الإقليمي تثير مخاوف إضافية مع بروز أحداث أمنية واتهامات بوجود عمليات إرهابية. وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل المطلوب أن تبقى الجبهات مفتوحة، وأن تنتقل حالة الاستنزاف تدريجياً إلى الداخل، حتى في الدول التي انخرطت لسنوات في ترتيبات إقليمية تخدم المشروع الأمريكي الإسرائيلي؟

إن زعزعة الاستقرار الداخلي، إن تحوّلت إلى مسار متزامن مع الضغوط الخارجية، قد تفتح الباب أمام مرحلة أشدّ تعقيداً، تتداخل فيها الصراعات الإقليمية مع الأزمات الاجتماعية والأمنية، ويصبح احتواء التداعيات أكثر صعوبة من احتواء أسبابها.

ويزداد المشهد تعقيداً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية والإسرائيلية، وما يرافقها من حسابات داخلية قد تتقاطع مع القرارات الخارجية. كما لا يمكن إغفال مثلث تركيا وقبرص واليونان، بما يحمله من تنافس جيوسياسي وتداخل في المصالح الأمنية والاقتصادية، في منطقة تتشابك فيها ملفات الطاقة والممرات البحرية والنفوذ العسكري.

نحن، إذاً، أمام مشهد يتجاوز حدود دولة بعينها أو أزمة منفردة؛ مشهد تتقاطع فيه المصالح الدولية، وتُستنزف فيه الاقتصادات، وتُختبر فيه التحالفات، وتُعاد فيه صياغة موازين القوى.

لكن هل نحن أمام حرب عالمية ثالثة؟

الجواب، وفق هذه القراءة، هو: لا، ليس بالضرورة أننا دخلنا الحرب العالمية الثالثة، بل ربما نكون أمام مرحلة إعداد الأرضية لصراع أوسع، عبر استنزاف متدرّج على المستويات الاقتصادية والأمنية والعسكرية.

فالاستنزاف لا يحتاج دائماً إلى إعلان حرب شاملة؛ قد يبدأ بالعقوبات والضغوط الاقتصادية، ويتوسّع عبر النزاعات بالوكالة، والاضطرابات الداخلية، وفتح الجبهات المتعددة، وصولاً إلى عمليات الاغتيال والتصعيد الأمني في أكثر من ساحة وبلد. وعندما تتراكم هذه العوامل، يصبح الانتقال من الصراعات المحدودة إلى مواجهة أوسع احتمالاً لا يمكن تجاهله.

وفي هذا السياق، لا يمكن استبعاد توظيف الخطابات العقائدية والنبوءات الدينية في تعبئة الجمهور وتبرير المشاريع السياسية والعسكرية، ولا سيما حين تتحوّل بعض التأويلات الدينية إلى غطاء لتوسّع جغرافي أو صراع مفتوح. فالمسألة هنا ليست في الدين الحق، بل في توظيف الدين وتأويلاته لخدمة المصالح، وتحويل المعتقد إلى أداة تعبئة وصراع.

ومن هنا، تكتسب فكرة «الفوضى الخلّاقة» بُعداً يتجاوز مجرد الاضطراب المؤقت؛ إذ يصبح السؤال: هل يجري تفكيك قدرة المجتمعات على التماسك، واستنزاف الدول ومؤسساتها، وإبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، تمهيداً لفرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها؟

إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط احتمال اندلاع حرب كبرى، بل أن تُستنزف الشعوب قبل اندلاعها، وأن تُنهك الدول قبل أن تدرك طبيعة المعركة، وأن تتآكل قدرتها على المواجهة بينما تُقدَّم لها الأزمات المتلاحقة على أنها أحداث منفصلة لا رابط بينها.

قد تختلف الأدوات، وقد تتبدّل الواجهات، لكن النتيجة واحدة إذا غاب الوعي الاستراتيجي: شعوب منشغلة بلقمة عيشها، ودول مستنزفة في أزماتها، وتحالفات قابلة للانهيار، ومشاريع كبرى تتحرك فوق أنقاض هذا الضعف.

لهذا، فإن قراءة ما بين السطور لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة لفهم الترابط المحتمل بين الأحداث، والتمييز بين ما يحدث تلقائياً وما قد يُستثمر سياسياً، وبين الأزمات المحلية والتحوّلات التي تعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة والعالم.

أما ما بعد هذه المرحلة، فقد لا يكون مجرد تسوية سياسية أو إعادة توزيع للمصالح، بل مواجهة أعمق بين مشاريع الهيمنة ومقاومتها، وبين من يوظّف العقيدة لتبرير التوسّع ومن يتمسّك بها بوصفها موقفاً أخلاقياً وحقاً في مواجهة الظلم. وهي مواجهة لا يمكن اختزالها في صراع ديني صرف، لكنها قد تُغلَّف بخطابات دينية وعقائدية لتعبئة الأطراف وتبرير خياراتها.

ومن هنا، فإن الاستعداد لا يكون بالخوف وحده، ولا بتضخيم التوقعات، بل بالوعي، وفهم موازين القوى، وقراءة التحوّلات، وإدراك أن الصراعات الكبرى تبدأ أحياناً قبل إعلانها بسنوات، حين تتشكّل مقدماتها وتتراكم أسبابها وتُختبر إرادة الشعوب والدول.

سلامٌ على من قرأ ما بين السطور، واستبق الأحداث بالوعي والاستعداد، لا بالانتظار والذهول.

وسلامٌ على كل قوى المقاومة في العالم، وعلى رأس الحربة فيها، أولئك الذين قد يجهل الناس أسماءهم، لكنهم حاضرون في ميادين المواجهة، ثابتون حيث تتراجع الحسابات وتنكشف المواقف.

«حين تنشغل الشعوب بضجيج الأزمات، قد تُرسم خرائط المستقبل بعيداً عن أعينها؛ فسلامٌ على من أبصر ما وراء الضجيج، وعرف أن المعارك الكبرى لا تبدأ دائماً بإطلاق النار، بل تبدأ حين يُراد للوعي أن يغيب، وللحق أن يُنسى، وللشعوب أن تستسلم قبل أن تبدأ المواجهة».