تعويذة الجليلة – كميل أبو حنيش
عنوان القراءة: سيرة الجليلة وعظمة البساطة
سلمى جبران

وجدت نفسي أخوض رواية هي توثيق اجتماعي نفسي شعوري للمشردين الفلسطينيين لفترة قرن من الزمن وعلى مساحة 300 صفحة. يبدو أن السيرة تتطلب التفاصيل، ولكن التفاصيل التي سردها الروائي كميل أبو حنيش هي تصوير سينمائي دقيق بالألوان وبالصوت أحيانًا! غمرتني مشاعر الأسى أثناء قراءتي هذه التفاصيل، وأحسست أنني أقرأ الوجه الآخر لكتاب التطهير العرقي في فلسطين للمؤرخ الكبير Ilan Pappe، مما أفجعني وأعادني إلى بكائي طفلةً على خرائب قرية سحماتا.

في كل أرجاء الرواية وجدت وصفًا حيًّا لكل الأحداث في العائلة، والتي تتأثر بشكل كبير من ممارسات المحتل، من العثماني حتى اليوم! الوصف الحي للأحداث والشخصيات جعلني أعيش الرواية مع سيرورة القراءة. الحياة اليومية حاضرة دائمًا، وهذا ما يجعلها فيلمًا سينمائيًّا بالكلمات! تعمر الرواية ببناء البيوت الذي شكّل بناءً للحياة!

تبدأ الرواية بعودة الغائب عودةً تحت غمامة غموض لا يعرفها القارئ. وكان حضور هذا الغائب مكثفًا في قلوب العائلة والجليلة تحديدًا. وقبل انتهاء الرواية، ص. 247، يعود عودة بشكل مبهم. تعانقه أمه الجليلة بكل حرارة الأمهات. وعندما تدعوه إلى المساءلة لم يقدر أن يبرر غيابه والقطيعة 25 عامًا عنها وعن زوجته التي تزوجها لأربعة أشهر وتركها حاملًا، فتغضب الجليلة وتنكره وتطرده من البيت، ولا تقدر زوجته حتى السلام عليه، وتغضب هي الأخرى وتصاب بصدمة جعلتها تذوي وتموت في غضون وقت قصير! تُغلق الدائرة كاملة، وتستمر دورة الحياة بزخم مثير. والصدق في هذا الموقف نقل الصورة كاملة وشكّل بُعدًا استثنائيًّا للرواية!

تتدافع الأحداث في الرواية بسرعة الكاميرا، وتتغير الشخصيات والظروف، مما يجعل الرواية مشهدًا حيًّا متكاملًا لحياة الفلسطيني على هذه الأرض لعشرات السنين!

جدة الجدات عريفة هي شخصية لها جذور في العائلة، وتنثر رحيقًا لكل من يزورها. عريفة، جدة الجليلة، تحكي حكايات تناقلتها أجيال عديدة لقرون من الزمن، والتي تؤول اليوم إلى الانقراض: الغولة، جبينة، الشاطر حسن، وحكتها للجليلة التي ألحّت عليها لتحكي حكايات حقيقية ونالت ذلك! عبّرت عريفة عن مشاعرها ونظرتها للحياة. شهدت عريفة هزيمة ورحيل الأتراك وتسلط الإنجليز ومساعدتهم للمهاجرين اليهود. حكت الجدة المسنة عريفة فلسفة حياة مهمة: «العمر لحظة وتمضي، مهما طال فإنه رمشة عين». وبعد أن فقدت الجدة عريفة بصرها قالت: «بعد أن يصاب الإنسان بالعمى يرى ظلامًا دامسًا والعالم يضيق، وتتسع التأملات فيرى الأشياء بصورة أكثر وضوحًا مما يرى المبصر». وحكمة أخرى، وقالت بما معناه: الفقدان فجيعة، ولكن أن تفقدي أبناءك وأعزاءك وأنت معمّرة وعلى قيد الحياة، فهذه فجيعة كبرى! ص. 30–38.

شخصية الجليلة، مع «أل» التعريف، أنارت الرواية بالحب الأمومي الموسوم بالقوة. ليس سائدًا أن نرى امرأةً، أمًّا تدير كل أمور العائلة بهذه الحرية الفكرية والشخصية القوية الناضجة والعقلانية التي ترفع شأن البنات في العائلة، حصرًا في هذه الحقبة وهذه الظروف. الجليلة، بأل التعريف، كانت هذه المرأة تتمتع هي وبنات الحوش بالحرية والقوة الكامنة في الطبيعة رغم عدم تعلمهن! أحبت الجليلة أمين الذي أنقذها من الحارس وهي طفلة وصار حلمها وهي صبية! لم تتوقف عن الأسئلة وحب الاستطلاع والمعرفة! سألت عن الصدفة المعلقة في عنق الجدة عريفة منذ مئة عام، والتي التقطتها عن شاطئ بحر يافا، ولا يزال صوت البحر في جوفها. أهدتها للجليلة وتمنت لها أن تعيش 115 عامًا مثلها! وهكذا صار!

في حياة الجليلة يتداخل التاريخ الاجتماعي بالتاريخ الثوري، فتعتنق الجليلة الثورة! ثورة في المفاهيم؛ مثلًا: لا يهمها كلام الناس! «المفتاح رمز فقط لأن البيوت تُهدم»! ثارت على عناصر الجيش والمخابرات وتحدتهم: «أنت أدرى، أنت مخابرات تعرف كل شيء»، ردّت على سؤال الجندي عن أحد أحفادها. وقالت لنزار عندما اعترف: «يا ولدي قد يسقط الإنسان أكثر من مرة، ولكن المهم أن يعرف كيف ينهض من جديد»! «من قال إن الكفاح يقتصر على حمل السلاح!» ص. 168–200. والجليلة كانت تنظر وتستنتج والكل يصغي لها! قالت: ص. 206: «في 1936 كان اسم رجالنا الثوار، وفي 1948 كان اسمهم المجاهدين، وفي 1967 اسمهم الفدائيون، واليوم منتفضون ومفررون، لكل مرحلة رجالها ومسمياتها!»

أجمل ما عبّر عن شخصية الجليلة هو حوارها مع عائد، حفيد عودة، ص. 294:
– كم من الرجال أحببتِ؟
– الكثير.
– وهل خنتِ جدي مع أي واحد منهم؟
– معهم جميعًا.
– وأي واحد من أبنائك جلبته بالحرام؟
– جدك عودة…
تتحول الجليلة في هذا الحوار إلى أسطورة! شخصية الجليلة متكاملة، وتظهر فيها عظمة البساطة، وهي نمط عظيم وإيجابي لشخصية المرأة الفلسطينية، وقوتها وحكمتها!

في الرواية لحظات بين الحياة والموت، وأجمل ما فيها أنها تلد الحياة من رحم الموت! يتجلى جبروت الفرد في الرواية في المواقف الحرجة التي تفصل بين الحياة والموت. وهذه اللحظات تكررت في حياة الجليلة وحياة الأبناء والبنات والأحفاد الذين تربوا على قيمها!

السرد لا يخلو من المشاعر والحميمية والعقلية السائدة، فقد برز الحديث عن الحميميات بهذا النضج وبهذا الاحترام بعيدًا عن التسويق. ومن خلاله برزت العقلية السائدة آنذاك، والتي تعلقت بالأوهام وأسرفت آمالًا على صدام حسين، وألّهته وعلّقت آمالًا على جمال عبد الناصر، وعلى الوسائل الكفاحية البسيطة التي لم تستطع الوقوف أمام الهمجية العسكرية! ص. 119. وفي مواقع أخرى من الرواية، ومن خلال شخصية مصطفى زوج الجليلة، يتزامن انتكاب الوطن وانتكاس الوحدة مع انتكاس الذكورة!

شخصيات الرواية وأحداثها لا تعد ولا تحصى، ومع ذلك كل حدث وكل شخصية منها يتطور ويتغير بتسلسل زمني ومنطقي. الأحداث تتغير وتوصف كما هي في كل حالاتها، وكذلك الشخصيات، ولا يصعب على القارئ تذكرهم في مواقعهم ومراكزهم، وهذه الميزة تعطي الرواية أبعادًا واقعية وخيالية في ذات الآن! وهذا النمط الروائي المفعم بالحياة وجدته أيضًا في رواية «الكبسولة المذهلة» التي صدرت للروائي كميل أبو حنيش عام 2019.

تمتاز «تعويذة الجليلة» بأن النهاية فيها هي البداية؛ حيث عريفة أورثت عالمها للجليلة، والجليلة بقيت على مكانتها وقوتها الشخصية حتى نهاية حياتها، وباركت مولودة حفيد حفيدها وأعطتها اسمها، ليتحول الحدث فيها إلى رمز. مواطن الإثارة الذهنية في هذه الرواية تتعدى الرمزية، والأسماء بغالبيتها لها مدلولها: عريفة، الجليلة، عودة، عائد، فادي وغيرها. وحتى عدد فصول الرواية، 48، إذا كان عددًا رمزيًّا، فقد كانت الحياة الصاخبة فيها أقوى وأكبر من 48.

والحياة/الرواية ذاتها هي رمز للبقاء والحرية!

ثانيًا: النص بعد التدقيق اللغوي والنحوي

تعويذة الجليلة – كميل أبو حنيش
عنوان القراءة: سيرة الجليلة وعظمة البساطة
سلمى جبران

وجدت نفسي أخوض روايةً تمثّل توثيقًا اجتماعيًّا ونفسيًّا وشعوريًّا للمشرّدين الفلسطينيين على امتداد قرن من الزمن، وفي نحو 300 صفحة. يبدو أن السيرة تتطلب التفاصيل، لكن التفاصيل التي سردها الروائي كميل أبو حنيش جاءت كأنها تصوير سينمائي دقيق، بالألوان وبالصوت أحيانًا! غمرتني مشاعر الأسى أثناء قراءتي هذه التفاصيل، وأحسست أنني أقرأ الوجه الآخر لكتاب «التطهير العرقي في فلسطين» للمؤرخ الكبير إيلان بابيه (Ilan Pappé)، مما أفجعني وأعادني إلى بكائي طفلةً على خرائب قرية سحماتا.

في أرجاء الرواية كافة، وجدت وصفًا حيًّا لأحداث العائلة، التي تأثرت كثيرًا بممارسات المحتل، من العهد العثماني حتى اليوم. وقد جعلني الوصف الحي للأحداث والشخصيات أعيش الرواية مع تقدّم القراءة. الحياة اليومية حاضرة دائمًا، وهذا ما يجعل الرواية فيلمًا سينمائيًّا بالكلمات؛ فهي تعمّر البيوت بالكلمات، وتجعل بناءها بناءً للحياة!

تبدأ الرواية بعودة الغائب، عودة، في ظل غموض لا يتبدد أمام القارئ. وكان حضور هذا الغائب مكثفًا في قلوب أفراد العائلة، والجليلة تحديدًا. وقبل انتهاء الرواية، في الصفحة 247، يعود عودة بصورة ملتبسة. تعانقه أمه الجليلة بحرارة الأمهات، لكنه، حين تدعوه إلى المساءلة، لا يستطيع تبرير غيابه وقطيعته معها ومع زوجته مدة خمسة وعشرين عامًا؛ فقد تزوج زوجته، وبعد أربعة أشهر تركها حاملًا. تغضب الجليلة وتنكره وتطرده من البيت، ولا تستطيع زوجته حتى إلقاء السلام عليه. وتغضب الزوجة الأخرى أيضًا، وتصاب بصدمة تجعلها تذوي وتموت في غضون وقت قصير. تُغلق الدائرة كاملة، وتستمر دورة الحياة بزخم مثير. وقد نقل الصدق في هذا الموقف الصورة كاملة، وشكّل بُعدًا استثنائيًّا في الرواية.

تتدافع أحداث الرواية بسرعة الكاميرا، وتتغير الشخصيات والظروف، مما يجعلها مشهدًا حيًّا متكاملًا لحياة الفلسطيني على هذه الأرض لعشرات السنين.

عريفة، جدة الجدات، شخصية متجذرة في العائلة، تنثر رحيقها على كل من يزورها. وهي جدة الجليلة التي تحكي حكايات تناقلتها الأجيال قرونًا طويلة، وتكاد تؤول اليوم إلى الانقراض، مثل حكايات الغولة وجبينة والشاطر حسن. وقد ألحّت الجليلة عليها لتحكي لها حكايات حقيقية، فنالت ما أرادت. عبّرت عريفة عن مشاعرها ونظرتها إلى الحياة، وشهدت هزيمة الأتراك ورحيلهم، وتسلّط الإنجليز ومساعدتهم للمهاجرين اليهود. وقد لخّصت الجدة المسنّة فلسفتها في الحياة بقولها: «العمر لحظة وتمضي، مهما طال فإنه رمشة عين». وبعد أن فقدت عريفة بصرها، قالت: «بعد أن يصاب الإنسان بالعمى يرى ظلامًا دامسًا، والعالم يضيق، وتتسع التأملات، فيرى الأشياء بصورة أكثر وضوحًا مما يراها المبصر». ولها حكمة أخرى، مفادها أن الفقدان فجيعة، لكن أن تفقد المرأة أبناءها وأعزاءها وهي معمّرة وعلى قيد الحياة، فتلك فجيعة كبرى! (ص 30–38).

أنارت شخصية الجليلة الرواية بحب أمومي مطبوع بالقوة. فمن غير المألوف أن نرى امرأةً وأمًّا تدير شؤون العائلة بهذه الحرية الفكرية، وبهذه الشخصية القوية الناضجة والعقلانية التي ترفع شأن البنات في العائلة، ولا سيما في تلك الحقبة وتلك الظروف. كانت الجليلة، كما توحي «أل» التعريف في اسمها، تتمتع هي وبنات الحوش بالحرية والقوة الكامنة في الطبيعة، رغم عدم تعلّمهن. أحبّت الجليلة أمين، الذي أنقذها من الحارس وهي طفلة، وصار حبّه حلمها وهي صبية. ولم تتوقف عن طرح الأسئلة أو عن حب الاستطلاع والمعرفة. سألت عن الصدفة المعلّقة في عنق الجدة عريفة منذ مئة عام، والتي التقطتها من شاطئ بحر يافا، ولا يزال صوت البحر يتردد في جوفها. أهدتها عريفة إلى الجليلة، وتمنت لها أن تعيش 115 عامًا مثلها، وهكذا كان!

في حياة الجليلة يتداخل التاريخ الاجتماعي بالتاريخ الثوري، فتعتنق الجليلة الثورة؛ ثورةً في المفاهيم. لا يهمها كلام الناس، مثلًا، وتقول: «المفتاح رمز فقط لأن البيوت تُهدم». كما تثور على عناصر الجيش والمخابرات وتتحداهم. وحين يسألها الجندي عن أحد أحفادها، ترد: «أنت أدرى، أنت مخابرات تعرف كل شيء». وتقول لنزار، حين يعترف: «يا ولدي، قد يسقط الإنسان أكثر من مرة، لكن المهم أن يعرف كيف ينهض من جديد». وترد كذلك على من يحصر الكفاح في حمل السلاح: «من قال إن الكفاح يقتصر على حمل السلاح؟» (ص 168–200). كانت الجليلة تنظر وتستنتج، فيصغي إليها الجميع. وتقول: «في 1936 كان اسم رجالنا الثوار، وفي 1948 كان اسمهم المجاهدين، وفي 1967 كان اسمهم الفدائيين، واليوم منتفضون ومفررون؛ لكل مرحلة رجالها ومسمياتها!» (ص 206).

ومن أجمل ما يكشف عن شخصية الجليلة حوارها مع عائد، حفيد عودة (ص 294):
– كم من الرجال أحببتِ؟
– الكثير.
– وهل خنتِ جدي مع أيٍّ منهم؟
– معهم جميعًا.
– وأيّ واحد من أبنائك جئتِ به إلى الدنيا بالحرام؟
– جدك عودة…

تتحول الجليلة في هذا الحوار إلى أسطورة. فشخصيتها متكاملة، وتتجلى فيها عظمة البساطة؛ إنها نموذج عظيم وإيجابي للمرأة الفلسطينية، بما تمتلكه من قوة وحكمة.

في الرواية لحظات فاصلة بين الحياة والموت، وأجمل ما فيها أنها تولّد الحياة من رحم الموت. ويتجلى جبروت الفرد في المواقف الحرجة التي تفصل بين الحياة والموت. وقد تكررت هذه اللحظات في حياة الجليلة، وفي حياة أبنائها وبناتها وأحفادها الذين تربّوا على قيمها.

لا يخلو السرد من المشاعر والحميمية والعقلية السائدة؛ فقد برز الحديث عن الحميميات بنضج واحترام، بعيدًا عن التسويق. ومن خلاله برزت العقلية السائدة آنذاك، التي تعلقت بالأوهام وأسرفت في تعليق الآمال على صدام حسين، وألّهته، كما علّقت آمالها على جمال عبد الناصر وعلى الوسائل الكفاحية البسيطة التي لم تستطع الوقوف أمام الهمجية العسكرية! (ص 119). وفي مواضع أخرى من الرواية، ومن خلال شخصية مصطفى، زوج الجليلة، يتزامن انتكاب الوطن وانتكاس الوحدة مع انتكاس الذكورة.

شخصيات الرواية وأحداثها لا تُعدّ ولا تُحصى، ومع ذلك يتطور كل حدث وكل شخصية ويتغيران بتسلسل زمني ومنطقي. وتُعرض الأحداث في مختلف حالاتها، وكذلك الشخصيات، فلا يصعب على القارئ تذكّرها في مواقعها ومراكزها. وتمنح هذه الميزة الرواية أبعادًا واقعية وخيالية في آن واحد. وقد وجدت هذا النمط الروائي المفعم بالحياة أيضًا في رواية «الكبسولة المذهلة»، التي صدرت للروائي كميل أبو حنيش عام 2019.

تمتاز «تعويذة الجليلة» بأن نهايتها هي بدايتها؛ إذ أورثت عريفة عالمها للجليلة، التي حافظت على مكانتها وقوتها الشخصية حتى نهاية حياتها. وقد باركت الجليلة مولودة حفيد حفيدها وأطلقت عليها اسمها، ليتحول الحدث إلى رمز. وتتجاوز مواطن الإثارة الذهنية في هذه الرواية حدود الرمزية؛ فغالبية الأسماء لها دلالاتها: عريفة، والجليلة، وعودة، وعائد، وفادي، وغيرها. وحتى عدد فصول الرواية، وهو 48 فصلًا، إن كان عددًا رمزيًّا، فإن الحياة الصاخبة فيها كانت أقوى وأكبر من الرقم 48.

والحياة/الرواية ذاتها رمز للبقاء والحرية!