سقوط الأقنعة وفشل الرهانات في اليمن
في الوقت الذي تحاول فيه الدوائر الإعلامية الغربية والخليجية تصوير المشهد اليمني كإعادة تموضع تكتيكي لمواجهة ما تسميه “التهديد الحوثي”، يقرأ الأحرار وقوى التحرر في المنطقة هذا التطور من زاوية مغايرة تماماً؛ فهو لا يرى في عودة التنسيق العسكري المعلن بين السعودية والإمارات إلا اعترافاً صريحاً بالعجز الميداني وفشلاً ذريعاً للعدوان المستمر لسنوات.
وفقاً لما أوردته تقارير صحفية مثل The Guardian، فإن محاولات إحياء الجبهات عبر إعادة تمويل “ألوية العمالقة” وإسنادها جواً من الرياض، تعكس مدى تخبط قوى العدوان أمام صمود واستبسال قوات “أنصار الله” والشعب اليمني، مما أجبر عواصم التحالف على ترشيق صفوفها المتهالكة تحت ضغط الضربات الموجعة في العمقين السعودي والإماراتي.
1. الانهيار البري واللجوء المتأخر إلى الورقة المحروقة
من منظور مناهض للهيمنة والوصاية، لم يكن الانقسام الخفي والعلني بين الرياض وأبوظبي خفياً على أحد طوال السنوات الماضية؛ فقد سعت كل دولة لفرض أجندتها الخاصة وميليشياتها الموالية لتقاسم نفوذ السيطرة على الثروات والموانئ والممرات المائية الاستراتيجية في جنوب اليمن، متجاهلة تكلفتها الإنسانية والبشرية.
تخبط الجبهة المعادية: إن محاولة رتق الفتق الحاصل عبر دمج “البر الإماراتي” (المتمثل في تشكيلات مثل ألوية العمالقة وقادة الوكالة) مع “الجو السعودي” ليس سوى محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد أن عجزت أدوات المرتزقة عن تحقيق أي اختراق حقيقي يغير معادلة الصراع لصالحهم.
عجز القوة الجوية: لقد أثبت مسار المعركة طوال الأعوام الماضية أن التفوق الجوي والترسانة العسكرية الحديثة تفقد قيمتها أمام إرادة شعب يمني يدافع عن سيادته واستقلاله، وأن الاعتماد على تشكيلات برية ممولة خارجياً لن يغير من حقيقة تآكل الردع لدى تحالف العدوان.
2. مأزق “العدو المشترك”: حين تفرض صنعاء قواعد الاشتباك
أن عودة التنسيق بين الرياض وأبوظبي لم تكن نتاج رغبة في السلام أو مراجعة أخلاقية لحجم الدمار الذي لحق باليمن، بل جاءت تحت وطأة الصدمات الاستراتيجية التي وجهتها القوة الصاروخية وطائرات المسيرات التابعة للقوات المسلحة اليمنية نحو المنشآت الحيوية الحساسة في العمق السعودي والإماراتي.
لقد نجحت صنعاء في نقل المعركة إلى عقر دار المعتدين، مما أجبرهم مرغمين على إعادة حساباتهم وأولوياتهم الأمنية والاقتصادية. وما يُصوَّر في الإعلام الغربي على أنه “علاج نفسي” أو تقارب تكتيكي، هو في جوهره خضوع لقواعد الاشتباك الجديدة التي فرضتها صنعاء بفضل الصلابة الشعبية وتكامل قوى المواجهة في المنطقة.
3. هشاشة الشراكة: تناقض الأهداف وسقوط المراهنات المستقبلية
يُنظر إلى هذا “التحالف الجبري” باعتباره بنية هشة محكومة بالفشل الذاتوي، نظراً لتعارض المشاريع الاستراتيجية الأساسية للطرفين:
طموحات الاحتلال والانفصال: لا تزال الأجندة الإماراتية في جنوب اليمن ترتكز على السيطرة على الجزر والموانئ الاستراتيجية ودعم تشكيلات مسلحة تدين بالولاء لأبوظبي بمعزل عن وحدة اليمن.
مخاوف الأمن القومي السعودي: في المقابل، تخشى الرياض من تداعيات هذا التشرذم على أمنها الحدودي المباشر، وتصر على صيغة تضمن نفوذها السياسي المركزي، مما يخلق تناقضاً لا يمكن ردمه عبر هدنة مؤقتة.
وعليه، فإن أي محاولة لإحياء الجبهات تحت ضغط الحاجة الميدانية ستصطدم عاجلاً آجلاً بصخرة التناقضات التاريخية والجغرافية بين الحليفين، لتنتهي إلى فشل متجدد يثبت عقم الرهان على التدخل الخارجي.
خلاصة
تُؤكد هذه التطورات أن جبهة اليمن راسخة وثابتة ومستعدة لكل السيناريوهات. فمحاولات إعادة تدوير الأدوات المنهكة أو ترقيع التحالفات المفككة لن تزيد الشعب اليمني وقواته المسلحة إلا إصراراً على استكمال طريق التحرر والسيادة الكاملة.
إن صنعاء اليوم، بوعيها الاستراتيجي وصلابتها الميدانية، لا تكتفي بردع العدوان فحسب، بل تُدير معركة كبرى تفكك من خلالها تحالفات الخصوم وتفرض عليهم قواعد جديدة للعبة، مؤكدة أن مصير الاحتلال والوصاية هو السقوط الحتمي.
د. نبيلة عفيف غصن
