طوفان الأقصى… فخٌّ مدبّر أم رواية صُنعت بعد الطوفان؟

فاتنة علي، لبنان/ سورية الطبيعية

منذ السابع من أكتوبر 2023، لم تتوقف محاولات إعادة تعريف طوفان الأقصى، لا باعتباره حدثاً في سياق صراع طويل مع الاحتلال، بل باعتباره خطأً محتوماً أو فخاً نُصبت شِراكه للمقاومة. وفي خضم حرب دمّرت أجزاء واسعة من غزة، ودفعت سكانها إلى مواجهة كارثة إنسانية هائلة، أخذت هذه الرواية تستمد قوتها من حجم المأساة، وكأن ما ارتكبه الاحتلال بعد العملية يكفي وحده لإثبات أن المقاومة كانت ضحية مخطط مسبق.

لكن هل تكفي النتائج لإثبات النيات؟ وهل يصبح الحدث فخاً لمجرد أن العدو استثمره لشنّ حرب مدمّرة؟

المنطقة كانت تتغيّر… وفلسطين لم تكن على جدول الانتظار

قبل السابع من أكتوبر، كانت واشنطن تدفع باتجاه تطبيع العلاقات بين السعودية و«إسرائيل»، في مسار أثار أسئلة جوهرية حول موقع القضية الفلسطينية في ترتيبات المنطقة المقبلة. وبعد اندلاع الحرب، ربط الرئيس الأميركي جو بايدن الهجوم، جزئياً، بمحاولة تعطيل هذا المسار.

هذه الوقائع لا تمنحنا وحدها تفسيراً كاملاً للعملية، لكنها تكشف أن ما جرى وقع في لحظة إقليمية حساسة، وأن فلسطين لم تكن منفصلة عن الصراع على شكل المنطقة ومستقبلها.

إخفاق الاحتلال ليس دليلاً على أن المقاومة كانت في فخ

في فبراير 2025، أقرت مراجعات عسكرية إسرائيلية بإخفاقات خطيرة في تقدير قدرات المقاومة والاستعداد لهجوم السابع من أكتوبر. وهذه الاعترافات تضع الأداء الاستخباري والعسكري الإسرائيلي أمام أسئلة جدية.

لكن بدلاً من التعامل مع هذه الإخفاقات باعتبارها جزءاً أساسياً من فهم ما جرى، تقفز رواية الفخ إلى نتيجة أخرى: ما دام الاحتلال قد شنّ حرباً واسعة بعد الهجوم، فلا بد أن العملية كانت مدبّرة لاستدراجه أو لاستدراج المقاومة.

هذا استنتاج لا تثبته الوقائع المذكورة. فالقدرة على استغلال حدث بعد وقوعه ليست دليلاً على التخطيط له مسبقاً، والدمار الذي يخلّفه العدوان لا يكشف وحده ما كان يدور في غرف القرار قبل الهجوم.

من يتحمّل مسؤولية الحرب؟

لا يمكن قراءة ما جرى عبر عزل السابع من أكتوبر عن الاحتلال والحصار والاستيطان والاعتداءات المتواصلة، ولا عبر التعامل مع الحرب الإسرائيلية بوصفها نتيجة آلية لا بدّ منها لقرار المقاومة.

الاحتلال اتخذ قراراته العسكرية، وشنّ حربه، وأنتجت عملياته نتائج موثقة على الأرض. وتُبحث مسؤوليته عن هذه الأفعال من خلال قراراته وممارساته، لا عبر نقل مركز الثقل من الفاعل الذي شنّ الحرب إلى الطرف الذي أصبح هدفاً لها.

أما تقييم قرار المقاومة ونتائجه، فهو سؤال مختلف عن الادعاء بأن العملية كانت فخاً مدبّراً. ولا يجوز دمج السؤالين في رواية واحدة، ثم تقديم حجم الخسائر بوصفه حكماً نهائياً على طبيعة الحدث.

الفرضية تحتاج إلى دليل، لا إلى إعادة تدوير المأساة

حتى الآن، لا تكفي الوقائع المنشورة التي تناولها هذا التقرير لإثبات أن طوفان الأقصى كان فخاً متفقاً عليه مسبقاً بين الاحتلال وأطراف أخرى. إثبات ذلك يتطلب أدلة على المعرفة المسبقة والتخطيط المتعمد، لا مجرد الاستناد إلى ما وقع بعد العملية.

وهنا يجب أن يبقى السؤال مفتوحاً أمام التحقيق، لا أن يتحول إلى حقيقة جاهزة تُستخدم لتفسير كل ما تلا الهجوم.

فليس كل حدث انتهى بكلفة باهظة مؤامرةً، وليس كل عدو استفاد من نتائج حدث هو من دبّره. وبين الاحتمال والدليل مسافة لا يجوز للصحافة أن تتجاوزها.

إن فهم طوفان الأقصى يبدأ من سياقه، ويمرّ بفحص الوقائع، ولا ينتهي عند الرواية التي يحاول الاحتلال أو خصوم المقاومة فرضها على الحدث. أما تحويل المأساة التي عاشها الفلسطينيون إلى دليل جاهز على أن مقاومتهم وقعت في فخ، فليس تحقيقاً في الوقائع؛ بل استنتاج يسبق الدليل.