بعد نتنياهو… ترامب: منعتُ عنكم حرب إبادة نووية

ناصر قنديل

قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة التاسع من تشرين الأول، خلال احتفال يوم كولومبوس في البيت الأبيض، إن إيران كانت على بُعد أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع من امتلاك سلاح نووي قبل هجوم القاذفات الأميركية، وإنها لو امتلكته لاستخدمته ضد أوروبا ومدن أميركية، بينها لوس أنجلوس وسان دييغو. وأضاف أن أوروبا ربما كانت ستُستهدف قبل أميركا، ثم قال: «لم نعد بحاجة إلى القلق بشأن هذا الأمر. لن يتمكنوا من امتلاك سلاح نووي». من دون الإجابة عن سؤال ماذا لو عاود الإيرانيون الكرّة والمعارف في عقول العلماء موجودة، هكذا أراد ترامب أن يقدم للأميركيين والأوروبيين معنى لحربه بالقول لقد حميتكم من إبادة نووية.

سبق بنيامين نتنياهو ترامب إلى هذه اللغة. ففي الخامس عشر من حزيران، عندما واجه السؤال عن حصيلة الحرب، أجاب: «أسمع مَن يسأل ماذا حققنا؟ لقد أبعدنا عن أنفسنا خطر إبادة فوري». وقال إن “إسرائيل” أبعدت خطر الموت الجماعي لسنوات. الجامع بين التصريحين هو اعتماد الكارثة التي لم تقع معياراً للإنجاز، ونقل الجمهور من السؤال عما حققته الحرب إلى الامتنان للقيادة لأنها أبقته حياً. ومن هنا تبدأ مقارنة ضرورية بين أهداف الحرب وصورة إيران عند إطلاقها، وأهدافها وصورة إيران في خطاب تبرير حصيلتها.

في الثامن والعشرين من شباط، أعلن ترامب أن الحرب ستدمر الصواريخ الإيرانية وتسوي صناعتها بالأرض وتمحو البحرية الإيرانية، ودعا الإيرانيين إلى تولي السلطة بعد انتهاء العمليات. وبعد أسبوع طالب بـ«الاستسلام غير المشروط». وفي اليوم الأول نفسه، قال نتنياهو إن العمل المشترك سيخلق الظروف ليأخذ الإيرانيون مصيرهم بأيديهم. كانت الوعود ترسم حرباً تقلب ميزان القوة، وتفتح باب تغيير الحكم أو دفعه إلى الاستسلام، وتزيل الأدوات التي تمنح إيران قدرتها على الرد والنفوذ.

هذه الأهداف حملت صورة محددة لإيران، دولة يستطيع التفوق الأميركي الإسرائيلي تحطيم قوتها، ثم تقرير مصيرها السياسي. مهما ارتفع الحديث عن خطرها، كانت الوعود تُقدَّم بثقة من يرى أن إزالة هذا الخطر في متناول يده. لم تُطرح الحرب مواجهة طويلة مع قوة تعجز الترسانتان عن إخضاعها، بل طريقاً إلى إنهاء تحديها. إيران في هذه الرواية لقمة يمكن ابتلاعها، ونظام ينتظر سقوطه أو استسلامه بعد تفكيك أدوات حمايته.

أما إيران في كلام ترامب اليوم وكلام نتنياهو بالأمس فتملك، داخل الرواية، مشروعاً نووياً يكاد يكتمل، وقراراً جاهزاً لاستخدام السلاح، وقدرة على مهاجمة “إسرائيل” والشرق الأوسط وأوروبا ومدن أميركية. يمنحها هذا التصوير مرتبة قوة نووية وصاروخية عابرة للقارات، قادرة على تهديد وجود الدول الكبرى. المسألة هنا هي ما يصنعه الخطاب من صورة للخصم، الدولة التي وُعد الجمهور بهزيمتها وإخضاعها تتحول إلى قوة كان على الجمهور أن يخشى فناءه على يدها.

يتبدّل الهدف بالتوازي مع تبدل الصورة. عند البداية، كان سقف الحرب فرض الإرادة على إيران بعد تدمير قدراتها، وفتح طريق تغيير الحكم، وانتزاع الاستسلام. وعند شرح الإنجاز، يصبح السقف حماية الآخرين من إرادتها المفترضة. تتراجع المهمة من تغيير واقع الخصم إلى منع كارثة على أراضي المهاجمين وحلفائهم. وما كان مشروعاً لإعادة تشكيل المنطقة تحت شعار تغيير الشرق الأوسط وتشكيل شرق أوسط جديد، يتحول إلى رواية دفاع عن البقاء، تتسع كلما ضاقت القدرة على إظهار نتيجة سياسية تحقق الوعود الأولى.

هنا تبلغ المفارقة ذروتها، تصغير إيران كان ضرورياً لتسويق قرار الحرب، وتضخيمها يصبح ضرورياً لتسويق حصيلتها بعد الفشل. في المرة الأولى يُطلب من الناس الثقة بأن القوة الساحقة ستحسم سريعاً؛ وفي الثانية يُطلب منهم قبول الكلفة لأن البديل كان الإبادة. ويصبح ارتفاع الأسعار والاستنزاف وطول المواجهة أثماناً يجري تبريرها بصورة موت جماعي، بينما تتوارى الوعود التي على أساسها مُنحت القيادة الثقة بشن الحرب.

الحروب تُحاكم بما تحقق من أهدافها، وبقدرتها على تحويل القوة إلى إرادة سياسية مفروضة على الخصم. وعندما تبدأ بطلب استسلامه وتنتهي بتعظيم قدرته على الإبادة، تكون القيادة قد غيّرت معيار النصر لتنجو من المحاسبة. هذا هو الإفلاس الذي يكشفه خطاب نتنياهو وترامب، أهداف تنكمش، وعدو يتضخم، ودول كبرى ينخفض سقف إنجازها إلى البقاء. وعندما يصبح الخوف من الخصم أهم دليل على الانتصار عليه، يكون الخطاب قد أخذ على عاتقه إخفاء هزيمة المشروع السياسي للحرب.

المصدر: البناء