تدجين العراقيين: تنازل يُبرَّر وفرص تُهدَر
محمد الحمد
لم يكن التنازل أمام الضغوط الأمريكية مجرد موقف عابر يمكن تبريره بحسابات اللحظة، بل أصبح منهجا يتكرر كلما ارتفع سقف الضغط الأمريكي على العراق.
والمشكلة أن هذا التنازل لا يتوقف عند حدود القرار السياسي، بل ترافقه ماكينة تبرير تعمل على إقناع العراقيين بأن ما يجري إنما هو لحماية مصالحهم وتجنيبهم تداعيات أكبر.
أولا: مبررات التنازل وثمنها
كانت مبررات التنازل أمام تغريدة ترامب تتمثل في أن ذلك يجنب العراق ضغوطا أمريكية على اقتصاده، وبالتالي على الناس.
وقد صرح بذلك بعض قادة الإطار، و أعضاء مكاتب أحزابهم السياسية، و المحللون الذين يعملون موظفين لديهم.
لكن وكما توقعنا تمادى الأمريكي أكثر فأكثر، لأنه يتمدد كلما استشعر الخوف والتنازل لدى أصحاب القرار.
ولم يكن هذا التمادي مقتصرا على موقف واحد، فقد وصل الأمر إلى منع الطيران الإيراني من استخدام المطارات العراقية، في خطوة عكست حجم الاستهتار الأمريكي بالقرار العراقي وسيادته.
وعندما غضب الشارع العراقي إزاء هذا التمادي، خرج أصحاب القرار بالتبرير ذاته وبمنهجية التدجين ذاتها، وهي الخوف من أن تمارس أمريكا ضغطا اقتصاديا على العراق، وأن تؤدي هذه الضغوط إلى تقليص دفعات الدولار للعراق.
وبدل أن يكون الرد على هذا التجاوز قرارا عراقيا يحفظ سيادة البلد، ذهب العراق إلى تقديم طلب إلى الولايات المتحدة للسماح للطيران الإيراني باستخدام مطار النجف.
وبعد ذلك وافقت وزارة الخزانة الأمريكية، ولكن وفق شروط لم تكن سوى صورة أخرى من صور الإذعان، ليجد العراق نفسه مرة أخرى أمام حقيقة واضحة: كلما قدّم تنازلا، ارتفع سقف الاستهتار والتمادي الأمريكي.
ومع ذلك، ما زال هؤلاء يواصلون منهجية التدجين عبر أبواقهم من محللين ومدونين وناشطين.
وفي المقابل إن كان همّ هؤلاء هو الناس كما يدّعون، فعليهم الذهاب إلى حلول تخلّص رقاب العراقيين من القبضة الأمريكية.
وإن كان جوابهم: “لا نستطيع مواجهة القوة الأمريكية”، فنقول: ومن طلب منهم المواجهة؟
فالشعب بات يعرفهم جيدا، ولم تعد تنطلي عليه مواقف النفاق.
ولو كان همهم المصالح العامة للشعب، لاتخذوا قرارات تحمل إرادة عراقية واضحة، وعندها لن يتمادى الأمريكي أكثر.
عدد من أصحاب القرار لا يكترثون، ولا يبالون بالتداعيات التي يعمل عليها الأمريكي، لأن الاخير يريد الفوضى في البلد، حتى لو أدت هذه الفوضى إلى سحق المتنازلين والمنافقين أنفسهم.
وهنا يحق لنا أن نسأل أصحاب هذه النظرية: بعد كل هذه التنازلات، ماذا جنى العراقيون منها؟
هل انخفضت الأسعار؟ هل استقرت الأسواق؟ هل تحسّن سعر صرف الدينار؟ أم أن النتيجة كانت ارتفاعا مرعبا في سعر صرف الدولار، انعكس مباشرة على أسعار السلع في الأسواق، وزاد من أعباء العراقيين؟
وما حذّرنا منه بالأمس، أثبت الواقع اليوم صحته.
لقد قيل للعراقيين إن التنازل مطلوب لحمايتهم من الضغط الاقتصادي الأمريكي، وإن الخضوع لبعض المطالب سيجنب البلد تداعيات أكبر.
لكن السؤال الذي لا يستطيع أصحاب هذا التبرير الهروب منه هو: إذا كانت التنازلات لا تمنع الضغط، وإذا كان كل تنازل يفتح الباب أمام تنازل آخر، وإذا كانت النتيجة في النهاية مزيدا من الضغط وارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة، فما الذي بقي من حجتهم؟
لهذا، على هؤلاء الذين يبررون هذه التنازلات أن يصمتوا، وأن يذهبوا إلى حلول جذرية يكون عنوانها الكرامة، لا الخوف والتبرير.
أما إذا كانوا غير قادرين على اتخاذ مثل هذه القرارات، أو كانوا يرون أن العراق لا يستطيع حماية مصالحه وسيادته، فليتحلوا بالشجاعة، ويقدّموا استقالتهم، وليتركوا العمل السياسي لأهله والقادرين على تحمل مسؤولياته.
ثانيا: كذبة هرمز
التذرع بمضيق هرمز من الأكاذيب الكبرى، لأن العراق أوقف التصدير من البصرة قبل أن يُفرض أي تحكم بالمضيق أصلا، إذ أراد ترامب الضغط على الصين من جميع الاتجاهات، وكان العراق إحدى أوراق هذا الضغط.
وبعد فرض التحكم بالمضيق، لم تغلقه إيران إلا في وجه أمريكا ومن معها، وخصصت مسارا واستثنت العراق من كل إجراء.
وهذا ليس استنتاجا أو قراءة سياسية، فقد أعلن المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء إبراهيم ذو الفقاري في 4 نيسان، أن “العراق الشقيق مستثنى من أي قيود” فرضتها إيران في مضيق هرمز، وأن تلك القيود لا تشمل إلا الدول المعادية.
لكن العراق بقي حبيس المسار الأمريكي، وبدلا من استثمار الفرصة، ذهب بعيدا مع الأمريكي.
ثالثا: الحل
يكمن الحل في تصدير النفط بضمانة اليوان، وأن ترفع الأحزاب الفاعلة في العراق يدها سريعا عن القطاعات غير النفطية.
وعلى الشعب أن يضغط على الفاعل السياسي لتغيير منهج الخنوع والإذلال، قبل فوات الأوان.
فالقضية لم تعد مجرد قرار يتعلق بتصدير النفط أو التعامل مع ضغط أمريكي عابر، وإنما أصبحت قضية قرار عراقي: هل يبقى العراق أسيرا لمن يفرض عليه خياراته، أم يستثمر الفرص المتاحة له ويمسك بأوراق قوته؟
الفرص لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، والتنازل الذي يُقدم اليوم على أنه حماية للعراقيين سيتحول غدا إلى قيد جديد عليهم.
ولهذا، فإن المطلوب ليس المزيد من التبرير، بل قرار يحفظ للعراق مصالحه وسيادته، ويمنع تحويل الخوف من القوة الأمريكية إلى منهج دائم في إدارة الدولة.

