ليست فيرفورد قصة قاذفات أميركية غادرت قاعدة بريطانية.
إنها قصة أكبر بكثير.
إنها قصة قوة عظمى تخشى على قاذفاتها من تهديد منخفض الكلفة، وحليف أوروبي يجد نفسه مضطراً إلى تبرير استمرار قدرته على حماية القواعد، وخصوم يراقبون المشهد لقياس المسافة بين التهديد والانسحاب.
وهنا تحديداً تكمن خطورة ما حدث.
فالردع لا يُختبر عندما تكون القواعد آمنة والسماء هادئة.
الردع يُختبر عندما يقترب الخطر.
وعندما يصبح مجرد تهديد محدود كافياً لإعادة تموضع طائرات استراتيجية، فإن السؤال لم يعد: هل تستطيع الولايات المتحدة ضرب خصومها؟
السؤال الأصعب هو:
هل تستطيع الولايات المتحدة البقاء في المكان الذي تريد أن تضرب منه؟
وهذا سؤال مختلف تماماً.
القاذفات غادرت… لكن ماذا بقي وراءها؟
قد يكون قرار واشنطن بسحب قاذفات B-1B من فيرفورد منطقياً من منظور حماية الأفراد والمعدات.
لكن السياسة العسكرية لا تنتهي عند حماية الطائرة.
هناك شيء اسمه أثر القرار.
وهناك شيء أخطر اسمه كيفية قراءة الخصم للقرار.
فإذا كان الخصم قد هدد قاعدة، ثم تحركت القاذفات منها، فقد لا يهتم كثيراً بما إذا كانت الطائرات ستعود غداً أو بعد أسبوع.
لقد حصل على ما هو أهم:
إثبات أن التهديد يستطيع التأثير في انتشار القوة الأميركية.
وهذا هو جوهر المسألة.
فالخصم غير القادر على هزيمة الولايات المتحدة في مواجهة تقليدية لا يحتاج إلى خوض تلك المواجهة.
يمكنه أن يبحث عن نقطة أخرى:
كيف يجعل الولايات المتحدة تدفع ثمناً أكبر للبقاء؟
كيف يجعل القاعدة أكثر كلفة؟
كيف يجبرها على نشر مزيد من الحماية؟
كيف يربك حركة القوات؟
كيف يرفع مستوى الإنذار؟
وكيف يجعل القادة الأميركيين أنفسهم يعيدون حساباتهم؟
إذا نجح في ذلك، فقد بدأ بتحويل التفوق الأميركي من مصدر قوة إلى عبء لوجستي وأمني وسياسي.
هنا تكمن المفاجأة: لم تُهزم القاعدة… لكنها أثّرت في القرار
وهذا ربما أكثر ما يجب التوقف عنده.
لا حاجة إلى تدمير القاعدة كي تحقق عملية صغيرة أثراً استراتيجياً.
لا حاجة إلى إسقاط B-1B.
ولا حتى إلى تنفيذ هجوم ناجح.
يكفي أن يصبح التهديد مقنعاً إلى درجة تجعل القيادة الأميركية تقول:
لن نجازف.
وهذه العبارة البسيطة هي جوهر الحرب الحديثة.
لأن الحرب لا تُقاس فقط بعدد الأهداف التي دُمرت.
بل بعدد القرارات التي استطعت إجبار خصمك على اتخاذها.
وهنا يتغير مفهوم النصر.
قد لا يربح الطرف الأضعف معركة جوية.
لكنه يستطيع أن يفرض على الطرف الأقوى إعادة الانتشار.
قد لا يدمر القاعدة.
لكنه يستطيع رفع تكلفة حمايتها.
قد لا يضرب الطائرة.
لكنه يستطيع دفعها إلى مغادرة موقعها.
وهذا بالضبط ما يجعل الحرب غير المتكافئة شديدة الإزعاج للقوى الكبرى.
من غزة إلى البحر الأحمر… قواعد اللعبة تغيّرت
منذ اندلاع الحرب على غزة، لم تعد المنطقة مسرحاً لجبهة واحدة.
لقد ظهرت شبكة واسعة من ساحات الضغط: فلسطين، لبنان، اليمن، العراق، سوريا الشام، والبحر الأحمر، وصولاً إلى مواقع الانتشار الأميركي والغربي في المنطقة.
والدرس الذي فرض نفسه خلال السنوات الأخيرة هو أن التفوق الجوي والتكنولوجي لا يعني القدرة على إغلاق جميع مسارات التهديد.
فقد تمتلك الولايات المتحدة أقوى الطائرات.
لكنها لا تستطيع أن تكون في كل مكان.
وقد تمتلك أقوى أجهزة الاستخبارات.
لكنها لا تستطيع ضمان عدم ظهور شبكة صغيرة في العمق.
وقد تمتلك أضخم القواعد العسكرية.
لكنها لا تستطيع جعلها خارج حسابات الخصم.
وهنا تتحول الجغرافيا نفسها إلى سلاح.
كل قاعدة جديدة تعني نقطة جديدة يجب حمايتها.
كل مطار يعني منظومة مراقبة.
كل مخزن سلاح يعني دفاعاً إضافياً.
كل منشأة استراتيجية تعني تكلفة أمنية.
وهكذا يمكن للطرف الأقل كلفة أن يجبر الطرف الأعلى كلفة على الدخول في سباق استنزاف لا يتناسب مع حجم الأدوات المستخدمة.
هذه ليست حرب المسيّرات فقط
التركيز على المسيّرات قد يكون مضللاً.
المسيّرة مجرد أداة.
أما القضية الحقيقية فهي تحويل المعرفة إلى ضغط.
الخصم الحديث يريد أن يعرف:
أين تتمركز القوات؟
متى تتحرك؟
ما هي القواعد الأكثر حساسية؟
ما مستوى الحماية؟
ما حجم المخاطر التي يمكن أن تقبل بها واشنطن؟
وما الذي يجعل القيادة الأميركية تغير قرارها؟
عندما تصبح هذه المعلومات متاحة، فإن العملية لا تحتاج إلى أن تكون ضخمة.
قد يكون المطلوب مجرد اختبار.
ثم اختبار ثانٍ.
ثم ثالث.
وفي كل مرة تُقاس النتيجة.
هل زادت الحماية؟
هل تغير الانتشار؟
هل ارتفعت الكلفة؟
هل حدث خلاف بين الحلفاء؟
هل تحركت الطائرات؟
هكذا تُبنى معادلة الردع الجديدة: بالتجربة المتراكمة.
ترامب أراد حماية القاذفات… لكنه واجه مشكلة الصورة
يمكن الدفاع عن قرار ترامب من زاوية عسكرية.
الرئيس الأميركي مسؤول عن حماية الجنود والطائرات الأميركية.
ولا توجد قاعدة في العالم تستحق المخاطرة غير الضرورية بأصول استراتيجية بمليارات الدولارات.
لكن المشكلة أن الخصم لا يقرأ القرار بالطريقة نفسها.
هو لا يرى فقط:
«الولايات المتحدة حمت طائراتها».
قد يرى:
«الولايات المتحدة غيّرت انتشارها لأن موقعها أصبح مهدداً».
وهنا تدخل حرب الرواية.
في السياسة الدولية، الصورة أحياناً تسبق التحليل.
والخصم الذي يستطيع القول إن تهديده أجبر واشنطن على التحرك يكون قد حصل على مادة دعائية، حتى لو لم يحقق مكسباً عسكرياً مباشراً.
وهذا ما يجعل تصريحات السيناتور مارك وارنر بشأن احتمال منح إيران «انتصاراً دعائياً» ذات دلالة.
فالمعركة لم تعد فقط على المدرج.
إنها على من يكتب تفسير ما حدث.
لندن لا ترى الخطر بالطريقة نفسها
المفارقة الأكثر حساسية هي أن بريطانيا، وفق ما نقله التقرير، لم تتعامل مع التهديد باستخفاف.
بل رفعت مستوى الحماية.
لكن المسؤولين البريطانيين يرون أن الإجراءات الأمنية المتعددة تجعل نجاح هجوم واسع أمراً منخفض الاحتمال.
وهنا تظهر مشكلة داخلية في التحالف.
واشنطن تقول:
المخاطرة غير مقبولة.
ولندن تقول:
الخطر موجود، لكن المنظومة قادرة على احتوائه.
من منهما على حق؟
قد يكون كلاهما محقاً من زاويته.
لكن المشكلة أن اختلاف تقدير المخاطر داخل تحالف عسكري هو بحد ذاته نقطة ضعف.
فالتحالفات لا تحتاج فقط إلى السلاح.
تحتاج إلى ثقة متبادلة في لحظة الخطر.
وإذا بدأ الحليف يتساءل:
«هل ستبقى القوات الأميركية هنا عندما يصبح الموقع مهدداً؟»
فإن المشكلة تصبح أعمق من قاعدة جوية.
ماذا لو فهم الخصم المعادلة؟
هذه هي النقطة التي يجب أن تثير القلق في واشنطن ولندن.
إذا اكتشف الخصم أن الضغط المحدود يمكن أن يؤدي إلى إعادة انتشار، فلماذا يخوض حرباً مباشرة؟
لماذا يواجه حاملات الطائرات؟
لماذا يدخل في مواجهة جوية؟
لماذا يتحمل ضربة استراتيجية؟
قد يكون أكثر فاعلية أن يضغط على نقاط الحساسية.
ليس المطلوب أن تنتصر على القوة الكبرى.
المطلوب أن تجعلها تعيد حساباتها باستمرار.
وهنا يتحول التفوق إلى مشكلة.
كلما زادت الأصول الأميركية المنتشرة، زادت المواقع التي يجب حمايتها.
وكلما زادت المواقع، زادت نقاط الضعف.
وكلما زادت نقاط الضعف، ارتفعت تكلفة الدفاع.
وهكذا تصبح الدولة الأقوى عسكرياً أمام معادلة غريبة:
هي تملك القوة الأكبر، لكنها تحتاج إلى حماية مساحة أكبر من الطرف الذي يضغط عليها.
«شبكة العنكبوت» كشفت المستحيل القديم
عملية «شبكة العنكبوت» الأوكرانية لا تعني أن أي جهة تستطيع ببساطة تكرارها.
فمثل هذه العمليات تتطلب تخطيطاً واستخبارات ولوجستيات واتصالات وقدرات بشرية معقدة.
لكن أهم ما كشفته ليس طريقة التنفيذ.
بل انهيار فكرة الحصانة المطلقة للعمق العسكري.
لم تعد المسافة وحدها كافية.
ولم تعد القاعدة الخلفية تعني بالضرورة أنها بعيدة عن الحرب.
ولم تعد الطائرة الموجودة في مطار بعيد عن خطوط القتال خارج دائرة الحساب.
وهذا درس ستدرسه كل مؤسسة عسكرية كبرى.
من موسكو إلى واشنطن.
ومن لندن إلى تل أبيب.
ومن الخليج إلى شرق آسيا.
المشكلة الأكبر: القواعد الأميركية ليست جزرًا معزولة
فيرفورد تقع في بريطانيا.
لكن القرار الأميركي فيها يهم كل دولة تستضيف وجوداً عسكرياً أميركياً أو غربياً.
ولهذا، فإن اتصال مسؤولين عسكريين من دول أخرى بلندن بعد قرار سحب القاذفات ليس تفصيلاً ثانوياً.
إنه مؤشر.
فالدول المضيفة تريد أن تعرف:
هل تستطيع الولايات المتحدة حماية قواتها على أرضنا؟
والسؤال الأكثر حساسية:
ماذا ستفعل إذا أصبحت هذه القوات تحت تهديد مستمر؟
إذا كانت الإجابة هي إعادة الانتشار في كل مرة، فإن قيمة القواعد تتغير.
أما إذا كانت الإجابة هي تعزيز الدفاع والقدرة على الاستمرار، فإن الردع يبقى قائماً.
وهنا تقع المعركة الحقيقية.
إيران لا تحتاج إلى طرد أميركا من العالم
من الخطأ تصور الأمر وكأن الهدف يجب أن يكون إخراج الولايات المتحدة من كل موقع.
القوة الكبرى لا تُهزم بهذه الطريقة دفعة واحدة.
لكن يمكن تقييد هامش حركتها.
يمكن جعل انتشارها أكثر كلفة.
يمكن جعل قواعدها أكثر تعرضاً للضغط.
يمكن إجبارها على توزيع مواردها.
يمكن تحويل التفوق العسكري إلى شبكة من الالتزامات الأمنية الثقيلة.
وهذا نوع مختلف من الصراع.
إنه لا يقوم على إسقاط القوة الكبرى.
بل على منعها من استخدام قوتها بحرية.
وهذه نقطة مركزية في فهم التحولات التي شهدتها المنطقة.
الحرب التي لا يستطيع فيها الأقوى استخدام قوته متى شاء
هذه هي المعضلة.
قد تمتلك الولايات المتحدة القدرة على تدمير أهداف ضخمة.
لكن هل تستطيع دائماً استخدام تلك القدرة من دون دفع ثمن؟
هنا يبرز الفرق بين القدرة والإرادة.
والفرق بين امتلاك السلاح وامتلاك حرية استخدامه.
قد تكون واشنطن قادرة على الرد.
لكن إذا كان كل رد يفتح جبهة جديدة، ويرفع تكلفة الانتشار، ويعرض قواعد أخرى للخطر، ويضغط على الحلفاء، ويزيد الاستنزاف السياسي، فإن القدرة العسكرية تبدأ بالاصطدام بقيود الواقع.
وهذه القيود هي التي تحاول القوى المقابلة استثمارها.
فيرفورد ليست انتصاراً عسكرياً… لكنها اختبار للردع
من الخطأ المبالغة والقول إن حادثة فيرفورد تعني هزيمة أميركية.
ليست كذلك.
ومن الخطأ أيضاً التقليل من دلالتها.
فهي تكشف شيئاً بالغ الأهمية:
القوة العسكرية الهائلة لا تلغي نقاط الضعف، والتفوق التكنولوجي لا يلغي هشاشة الانتشار، والقدرة على الضرب لا تعني القدرة على البقاء بلا تكلفة.
وهذا هو الدرس الذي سيقرأه خصوم الولايات المتحدة بعناية.
أما بريطانيا، فستجد نفسها أمام سؤال آخر:
هل تريد أن تكون مجرد منصة للقوة الأميركية، أم شريكاً قادراً على حماية هذه المنصة وتحمل تبعات استخدامها؟
لأن القواعد ليست مجرد منشآت.
إنها التزامات.
والالتزام الحقيقي يظهر عندما تبدأ الضغوط.
من يفرض الإيقاع؟
في النهاية، ليست المسألة فيرفورد وحدها.
ولا B-1B وحدها.
ولا حتى إيران وحدها.
المسألة هي من يفرض إيقاع الصراع؟
إذا كان الطرف الأقوى يحدد أين ينتشر، ومتى يتحرك، وكيف يرد، فهذا ردع.
أما إذا أصبح الطرف الأقل قوة قادراً على دفعه إلى تعديل الانتشار، وزيادة الإنفاق، وتغيير الحسابات، وفتح نقاشات داخلية بين حلفائه، فإن شيئاً مهماً يكون قد تغير.
ليس ميزان القوة العسكرية بالضرورة.
بل ميزان القدرة على التأثير.
وهنا تكمن أهمية فيرفورد.
لقد كشفت أن عصر الحصانة العسكرية المطلقة انتهى.
وكشفت أن الحرب الحديثة لا تحتاج دائماً إلى مواجهة الجيوش بالجيوش.
وقد أثبتت أن أداة رخيصة يمكن أن تضع قوة عظمى أمام قرار مكلف.
والأخطر أن تكرار هذه المعادلة قد يحول الاستثناء إلى نمط.
عندها تصبح كل قاعدة معرضة للسؤال نفسه، وكل انتشار بحاجة إلى حماية أكبر، وكل حليف بحاجة إلى طمأنة، وكل قرار عسكري بحاجة إلى حساب سياسي.
وهنا يصبح الانتصار الحقيقي ليس في تدمير الطائرة، بل في جعلها تغادر.
قد لا تكون فيرفورد بداية انهيار الردع الغربي.
لكنها بالتأكيد تذكير قاسٍ بأن الردع ليس عدد القاذفات، ولا حجم الترسانة، ولا اتساع القواعد.
الردع هو أن يعرف الخصم أنك قادر على البقاء تحت الضغط، وأن يدرك أن تهديدك لن يجعلك تتخلى عن موقعك أو تغير أهدافك.
أما عندما يصبح مجرد التهديد قادراً على تحريك الأصول الاستراتيجية، فإن السؤال يبدأ بالتحول من:
«كم تملك أميركا من قوة؟»
إلى:
«كم تستطيع أميركا أن تستخدم من هذه القوة، وتحت أي ظروف، وكم تستطيع أن تتحمل قبل أن تضطر إلى إعادة الحساب؟»
وهذا هو السؤال الذي ستراقبه طهران وموسكو وكل القوى التي تواجه النظام الأمني الغربي.
لأن زمن التفوق المطلق ينتهي عندما يصبح الطرف الآخر قادراً على تحويل ضعفك النفسي والسياسي إلى كلفة عسكرية.
وفي هذه المعادلة الجديدة، قد لا يحتاج الخصم إلى أن يهزم الإمبراطورية.
يكفيه أن يجعلها تتحرك عندما يريد.
د. نبيلة عفيف غصن
