هل بالإمكان كتابة الإبادة الآن؟
باسم خندقجي
بعد ثلاثة أعوام من اقتراف أبشع صور الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني في غزة، يتصدر سؤال تمثيلات هذه الإبادة في المستويات الكتابية والفنية الإبداعية أولويات التصدي لها وتوثيقها والتأمل فيها.
إن ما حدث ويحدث في غزة حتى الآن من إبادة جماعية شاملة للإنسان الفلسطيني، لم يعد بحاجة إلى توثيق وتسجيل في سبيل إلحاقها بتاريخ الإبادات الجماعية التي طالت عدة شعوب وجماعات في هذا العالم المتوحش، إذ إن إبادة غزة هي الأولى التي أرتكبت على الهواء مباشرة، لا بل إنها باتت شأنًا روتينيًا يوميًا من شؤون قضاء الوقت في متابعة الأخبار، ومشاهدة موجات القصف والدمار والانفجارات الهائلة التي أبادت غزة.
وحدها اللغة القادمة من المستقبل هي التي ستكفل كتابة الإبادة، لأن هذه اللغة النقدية والتأملية الواعية والإنسانية الكونية عندما ستشرع بالكتابة، فلن يكون هناك إمكانية لوجود الإبادة أو بقائها، فإما الإبادة وإما اللغة التي تكتب عن الإبادة
وبالتالي، فإن أي محاولة للكتابة في أوج الإبادة تختلف في تفاعلها مع الحدث لناحية سؤال، من يكتب الإبادة؟ ومن أين يكتبها؟ فالذي يسجل أحداث وتطورات الحرب وسياسات بطشها وإبادتها، منطلقًا من جسده المستهدف والمعرض في أي لحظة للقتل، يقوم بكتابة الإبادة بدمه وروحه، ويسعى نحو تمثيلها بأصدق صورة عبر عدة أنماط، بدءًا من التوثيق اليومي للإبادة، وليس انتهاءً بكتابة قصيدة عن برد الخيمة والفقدان. وأما الذي يكتب الإبادة من خارجها، فلا يمكن القول إنه لا يحوز على شرعية تمثيل الإبادة لأنه هرب منها أو لم يكن في مركزها ويعيش خارج غزة، بل إن كتابة الإبادة بانوراميًا عن بُعد قد يضفي في بعض الأحيان البعد التأملي على مشهدية الإبادة.
وثمة فرق ما بين كتابة الإبادة وبين وعي الإبادة والكتابة انطلاقًا من وحي هذا الوعي، ومن هنا فإن اللغة لا يمكنها أن تعبّر عن وحشية الإبادة سوى بالمستوى التسجيلي والتوثيقي للحدث، وأما البعد التأملي فلا يمكنه أن يتحقق إلى حد ما في ذروة الإبادة، لأن الأولويات القصوى تتمحور حول البقاء والصمود وإدارة مناحي الإبادة اليومية، وهذا ما يتطلب أيضًا البحث في وعي الإبادة، حيث لا يتحقق هذا الوعي إلا عندما تنشأ تلك المسافة النقدية والواعية ما بين حدث الإبادة وبين موضوعاتها، وهي في هذه الحالة الناس والأسر الغزية التي تتعرض للإبادة. وعندما تنشأ هذه المسافة، فإنها تفسح المجال أمام بُعد التأمل في الإبادة، كما تفتح الباب أمام تمثيل معاناة الإبادة بأبعادها الفردية والشخصية، وليس الجماعية فحسب، ودمج الهم الفردي بالهم الجماعي في معادلة وعلاقة جدلية ومترابطة في ذات الآن، يُعيد رسم الملامح الإنسانية للجماعة وينأى بها عن تشييئها وإحالتها إلى مجرد أرقام وموضوعات بحثية أو نمطية بلا أسماء ووجوه وملامح وهويات شخصية متعددة.
إن وعي الإبادة هو السعي نحو نفيها والإطاحة بها عن متن غزة وركامها، وهذا الوعي عندما يجري تعميمه وسحبه على كافة أشكال وأنماط تمثيلات الإبادة، فإنه سيغدو المعادل الموضوعي لكل شيء جرى ويجري منذ انطلاق الإبادة في أكتوبر 2023، أي أن النص الذي يعالج قضية الزواج المبكر، على سبيل المثال، لا يمكن أن يكتب بذات المنطق الإبداعي والسردي السائد ما قبل الإبادة، إذ تصبح الإبادة بهذا المعنى الخلفية الشاملة التي تسطع أحيانًا في النص وتخفت في نصوص أخرى. وينطبق الأمر أيضًا على فن الرسم وتجلياته المتعددة، حيث لا يستطيع الفنان/ة المنبعث من الإبادة أو على صلة بها، أن يرسم مشهدًا أو إطارًا أو وجهًا أو أي شيء آخر سوى بألوان الإبادة، ولهذا فإن وعي الإبادة لا يرى العالم إلا بعدسة الإبادة، إلى أن يتمكن من تحطيم هذه العدسة من خلال النجاة من الإبادة كتابةً وفنًا وبقاءً وصمودًا وحياة.
غير أن ما يكتب الآن لا يمكن أن نطلق عليه مفهوم أدب الإبادة، بل هي مجرد محاولات لالتقاط المشهد وتوثيقه، دون الخوض في تفاصيله وأبعاده الخفية الخاصة بالوعي ووعي الإبادة أيضًا، وليس ثمة أدنى حاجة لإقناع العالم من خلال قصة أو قصيدة أو رواية عن الإبادة أن ما حدث في غزة فظاعة إنسانية يتحمل العالم المسؤولية الأخلاقية عنها، وإنما المطلوب اليوم أن يجري تعزيز المسافة النقدية الفاصلة ما بين الكاتب/ة أو الفنان/ة وبين الإبادة كحيز للتفكر والتأمل، بالإضافة إلى الابتعاد عن خطاب حصرية الضحية والاستفراد بالمظلومية والضحوية، والقول بأن من يملك حق تمثيل غزة هم أبناؤها فقط، وهذا ما يؤكد أهمية التأمل والنفاذ إلى أعماق الإبادة ووعيها والوعي بها، لأن هذه الإبادة لم تعد شأنًا فلسطينيًا في تداعياتها، بل كونيًا وإنسانيًا.
كما أن التعافي من الإبادة يتطلب التعافي من العجلة في كتابتها، إذ إن أعظم ما كتب عن فظاعات الحروب والإبادات على مدار التاريخ كان قد كتب بعد وقوعها بفترات طويلة، وما يجري الآن في غزة تعجز كل لغات العالم عن التعبير عنه وتمثيله، ولكن وحدها اللغة القادمة من المستقبل هي التي ستكفل كتابة الإبادة، لأن هذه اللغة النقدية والتأملية الواعية والإنسانية الكونية عندما ستشرع بالكتابة، فلن يكون هناك إمكانية لوجود الإبادة أو بقائها، فإما الإبادة وإما اللغة التي تكتب عن الإبادة.
المصدر/ ألترا فلسطين
