ثلاث سنوات على 7 أكتوبر: حين سقطت أسطورة «إسرائيل» التي لا تُهزم

فاتنة علي، لبنان/ سورية الطبيعية

بعد ثلاث سنوات على 7 أكتوبر، ما زالت الرواية الأكثر تكراراً تحاول أن تبدأ الحكاية من صباح ذلك اليوم، وكأن غزة كانت تعيش قبلَه في فراغ سياسي وأمني، وكأن ما حدث في 7 أكتوبر هو أصل المأساة لا نتيجة لمسار طويل من الاحتلال والحصار والحروب.

لكن التاريخ لا يبدأ عند اللحظة التي انفجرت فيها القنبلة؛ بل عند اللحظة التي صُنعت فيها شروط الانفجار.

قبل 7 أكتوبر… ماذا كانت غزة؟

قبل 7 أكتوبر لم تكن غزة دولة حرة تتحكم بحدودها وموانئها ومجالها الجوي، بل كان أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون تحت حصار «إسرائيلي» مشدد منذ عام 2007، مع قيود واسعة على حركة الأشخاص والبضائع.

وتقول الأمم المتحدة إن غالبية سكان غزة كانوا عملياً محاصرين داخل القطاع، وإن القيود على الحركة ودخول السلع وخروجها أسهمت بصورة مباشرة في تدهور ظروف الحياة والاقتصاد والخدمات.

وفوق الحصار، سبقت 7 أكتوبر جولات متكررة من الحرب والقصف والقتل والدمار.

لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس فقط:

«لماذا وقع 7 أكتوبر؟»

بل أيضاً:

كيف يُطلب من شعب أن يعيش بلا حرية، وتحت الحصار، وتحت الاحتلال، ثم يُطلب منه أن يبرر لماذا قاوم؟

لا يجوز أن نضع الاحتلال والمقاومة في كفة واحدة

هناك نقطة يجري القفز فوقها عمداً في كثير من الخطابات: المقاومة لم تنشأ في فراغ، ولم تكن هي التي أنشأت الاحتلال.

فالشعب الفلسطيني لم يستيقظ فجأة في 7 أكتوبر ليقرر الدخول في صراع مع «إسرائيل»؛ القضية تعود إلى عقود من الاقتلاع والتهجير والسيطرة العسكرية والاستيطان وحرمان الفلسطينيين من تقرير مصيرهم.

وفي هذا السياق، جاءت فتوى محكمة العدل الدولية في 19 يوليو/تموز 2024 لتؤكد أن استمرار الوجود «الإسرائيلي» في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 غير قانوني، وأن سياسات الضم والاستيطان والسيطرة الدائمة تعرقل حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وأن «إسرائيل» لا تملك السيادة على الأراضي المحتلة، ولا يمكن أن تُستخدم الاعتبارات الأمنية لتجاوز مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.

وهنا يجب أن تكون الصورة واضحة:

لا يمكن استخدام حقوق الإنسان ذريعة لتبرئة الاحتلال، ولا يمكن تحويل الضحية إلى متهم لمجرد أنه قاوم.

أما تفاصيل العمليات العسكرية وقواعد الاشتباك، فهي مسألة أخرى تُناقش في إطار قانون الحرب والتحقيق في الوقائع، لا عبر وضع الاحتلال والمقاومة في مرتبة أخلاقية واحدة.

وماذا عن 7 أكتوبر نفسه؟

بحسب الخطاب الذي قدمته قيادة المقاومة، كان جوهر العملية مرتبطاً بكسر الحصار، واستهداف المواقع العسكرية، وأسر جنود من أجل قضية الأسرى الفلسطينيين.

وبعيداً عن السرديات الدعائية المتبادلة، فإن الحقيقة التي لا يستطيع أحد إنكارها هي أن العملية كسرت في ساعات قليلة صورة الردع «الإسرائيلي»، واخترقت منظومة أمنية وعسكرية كانت تُقدَّم باعتبارها من الأكثر تطوراً في العالم.

والأهم أن «إسرائيل» نفسها اعترفت بأن ما حدث لم يكن مجرد نجاح عسكري للمقاومة، بل فشل «إسرائيلي» منظومي.

رئيس جهاز الشاباك «الإسرائيلي» رونين بار قال صراحة في الذكرى الأولى إن الدولة أخفقت في واجبها الأساسي المتمثل في حماية مواطنيها، وإن الجهاز لم يقدم التحذير الكافي.

وفي عام 2025، خلصت تحقيقات الجيش «الإسرائيلي» نفسها إلى وجود عوامل رئيسية وراء الإخفاق، بينها الفشل الاستخباراتي، والفشل في فهم تطور قوة حماس، وعدم التعامل مع خطة «أسوار أريحا»، وضعف الجاهزية، وخلل اتخاذ القرار ليلة 7 أكتوبر.

بل إن مراقب الدولة «الإسرائيلي» وصف غياب مفهوم وطني واضح للأمن بأنه «فشل متعدد السنوات»، وربط التحقيقات بفشل سياسي وعسكري ومؤسسي واسع.

إذن، حتى داخل «إسرائيل» لم يعد ممكناً اختزال ما حدث في عبارة «هجوم مفاجئ» فقط.

كان هناك:

فشل في التقدير،
وفشل في الاستخبارات،
وفشل في الجاهزية،
وفشل في اتخاذ القرار.

لكن ماذا عن أهداف الحرب؟

هنا تبدأ المفارقة الكبرى.

أعلنت «إسرائيل» أن الحرب ستنتهي بتحقيق أهداف واضحة، أبرزها القضاء على القدرة العسكرية والسياسية لحماس، ومنع تكرار 7 أكتوبر، وإعادة الأسرى.

وبعد أشهر طويلة من الحرب، لم يكن الاعتراف بالفجوة بين القوة العسكرية والنتيجة السياسية قادماً من خصوم «إسرائيل» فقط.

وزير الخارجية الأميركي السابق أنتوني بلينكن قال في يناير/كانون الثاني 2025 إن حماس لا يمكن هزيمتها بحملة عسكرية وحدها، وإن الحركة أعادت تنظيم نفسها في شمال غزة بعد انسحاب القوات «الإسرائيلية»، وإن التقديرات الأميركية تشير إلى أنها جنّدت تقريباً عدداً من العناصر يوازي عدد من فقدتهم.

كما قال إن غياب البديل السياسي جعل الحرب قابلة للتحول إلى تمرد وحرب دائمة.

هذه شهادة شديدة الأهمية؛ لأنها تقول بوضوح إن:

التفوق العسكري لا يعني تحقيق الهدف السياسي.

يمكن تدمير الأبنية، واغتيال القادة، واستهداف المقاتلين، والسيطرة على مناطق لفترات، لكن تحويل ذلك إلى نهاية للمقاومة شيء آخر تماماً.

وهذا تحديداً ما أثبتته السنوات الثلاث.

7 أكتوبر لم يغيّر غزة فقط

كان أثر 7 أكتوبر أكبر من حدود القطاع.

فقد أعاد فلسطين إلى قلب النقاش العالمي بعد سنوات من محاولات اختزال القضية الفلسطينية في ملفات إدارية أو اقتصادية أو مفاوضات بلا نهاية.

خرجت الجامعات الغربية إلى الشوارع.

تحولت القضية الفلسطينية إلى قضية رأي عام عالمي.

بدأت دول جديدة بالاعتراف بدولة فلسطين.

وانفتح نقاش سياسي وأخلاقي وقانوني غير مسبوق حول الاحتلال والاستيطان والحصار واستخدام القوة.

والأهم أن صورة «إسرائيل» التي حاولت تقديم نفسها باعتبارها دولة محاصرة تدافع عن نفسها فقط، اصطدمت بصورة واقع الاحتلال والحصار والدمار أمام ملايين الناس حول العالم.

الزلزال الاستراتيجي

لهذا، فإن قراءة 7 أكتوبر باعتباره «كارثة فلسطينية» فقط قراءة ناقصة.

نعم، كانت كلفة الحرب على غزة هائلة، والشعب الفلسطيني دفع ثمناً لا يمكن تجاهله.

لكن التاريخ لا يقاس بحجم الدمار وحده.

أحياناً تقيس قيمة حدث تاريخي بما أحدثه من تغيير في المعادلات التي سبقته.

وقبل 7 أكتوبر كانت هناك محاولة لترسيخ معادلة تقول إن القضية الفلسطينية يمكن تجاوزها، وإن التطبيع الإقليمي يمكن أن يتقدم، وإن غزة يمكن إبقاؤها محاصرة، وإن الاحتلال يمكن أن يستمر دون أن تصبح فلسطين مركز المشهد.

جاء 7 أكتوبر ليقول إن القضية التي حاول البعض دفنها لم تمت.

غزة لم تخلق القضية الفلسطينية في 7 أكتوبر؛ غزة أعادت القضية إلى الواجهة.

وبعد ثلاث سنوات… ماذا بقي من الرواية؟

بقيت الحقيقة الأساسية:

لم يبدأ الصراع في 7 أكتوبر.

ولم يبدأ حصار غزة في 7 أكتوبر.

ولم يبدأ الاحتلال في 7 أكتوبر.

ولم يبدأ الاستيطان في 7 أكتوبر.

ولم يبدأ ملف الأسرى الفلسطينيين في 7 أكتوبر.

ولم تبدأ الاعتداءات على الفلسطينيين في 7 أكتوبر.

7 أكتوبر كان لحظة انفجار في تاريخ طويل، لا الصفحة الأولى من الكتاب.

ولهذا، فإن اختصار كل ما جرى في عبارة «حماس تسببت بالحرب» يقلب ترتيب الأحداث.

الحرب لم تُخلق من فراغ؛ بل جاءت فوق عقود من الاحتلال والحصار والصراع.

وإذا كان 7 أكتوبر قد كشف شيئاً، فهو أن القوة العسكرية الهائلة لا تستطيع وحدها صناعة الأمن، وأن الجدار لا يستطيع إلغاء القضية، وأن الحصار لا يستطيع قتل إرادة شعب.

والأهم من ذلك كله:

أن المقاومة لا تُفهم خارج سياق الاحتلال، كما لا يمكن فهم الاحتلال من دون فهم المقاومة التي ولّدها.

لهذا ستبقى المعركة الحقيقية على الرواية كما هي على الأرض:

هل نبدأ الحكاية من 7 أكتوبر فقط؟

أم نعود إلى اليوم الذي بدأ فيه اقتلاع الفلسطيني من أرضه، ونرى كيف تراكم الاحتلال والحصار والتهجير والحروب حتى انفجر المشهد؟

لأن من يحدد نقطة البداية، يحدد غالباً من يكون الضحية ومن يكون الجلاد.

وبعد ثلاث سنوات، ربما يكون السؤال الأهم ليس:

«ماذا فعل 7 أكتوبر؟»

بل:

«لماذا احتاج الفلسطيني أصلاً إلى أن يصل إلى 7 أكتوبر حتى يسمعه العالم؟»