قصة تلة علي الطاهر والأمن المفقود في كريات شمونة
حمزة البشتاوي
منذ تصاعد العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان، تحولت تلة علي الطاهر إلى عنوان عسكري وسياسي يتقاطع عنده سؤالان: إلى أي مدى يستطيع الاحتلال الإسرائيلي فرض سيطرته على العمق اللبناني؟ وإلى أي حد يستطيع توفير الأمن في مستوطنات الشمال وفي مقدمتها مستوطنة كريات شمونة التي يعود الحديث عنها مع كل تصعيد تحت عنوان إنشاء منطقة أمنية والسيطرة على المرتفعات التي تشكل تهديداً للمستوطنات، وكان رئيس بلدية كريات شمونة أفيخاي شتيرن قد قال: إن الحديث عن سيطرة عملياتية على تلة علي الطاهر لا تعني عودة السكان إلى منازلهم والعيش دون خوف من الصواريخ أو المسيرات أو التسلل.
تقع تلة علي الطاهر شمال نهر الليطاني في شرق قضاء النبطية، بين النبطية الفوقا وكفرتبنيت، ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر نحو 600 متر، وتبعد عن الحدود مع فلسطين نحو 15 كلم، ومساحة التلة بالكامل يبلغ نحو واحد كم تقريباً، وهي ترتبط جغرافياً بسلسلة المرتفعات الممتدة باتجاه قلعة الشقيف، وهذه الخصائص جعلت منها نقطة ذات قيمة عسكرية مهمة، والأهمية لا تكمن في ارتفاعها وحده بل في كونها أصبحت من التلال التي ركز عليها جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ مطلع صيف العام 2026 في محاولة لإنشاء ما يسمى بالمنطقة الأمنية وإبعاد التهديد عن مستوطنات الشمال واستعادة الأمن المفقود في كريات شمونة التي تعيش حالة من الخوف والقلق واستمرار الإخلاء والنزوح، وفق تقارير إسرائيلية قالت بأن نحو 40% فقط من المنازل في مستوطنة كريات شمونة مزودة بغرف آمنة، مع استمرار إغلاق المحلات التجارية وعدم عودة عدد كبير من السكان إليها بسبب عدم الشعور بالأمن الذي وعد به نتنياهو المستوطنين، وهذا ما تحدث عنه رئيس بلدية كريات شمونة أفيخاي شتيرن الذي اتهم بنيامين نتنياهو بعدم القدرة على توفير الحماية للسكان وغياب مظاهر الحياة اليومية في مستوطنات الشمال، وأن المواجهات في جنوب لبنان رفعت منسوب الخوف وفقدان الأمن أكثر من السابق.
إن ما جرى في تلة علي الطاهر شكل بداية لمرحلة جديدة من المواجهات المباشرة مع قوات الاحتلال وصد محاولات تقدمه على أكثر من محور في قرى الحافة الأمامية وعلى مشارف تلة علي الطاهر، حيث بالغ جيش الاحتلال بالحديث عن الموقع واعتبار السيطرة النارية إنجازاً حاسماً في الحرب، وترسم معادلة جديدة لموازين القوى في جنوب لبنان، لكن الصراع لا يقوم على السيطرة على نقطة واحدة، بل على القدرة على الاستنزاف والحركة والرد وتراكم النتائج الميدانية، وهذا ما تفعله المقاومة في عمليات التصدي البطولي للعدوان.
مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية يحتاج بنيامين نتنياهو الذي بنى جزءاً أساسياً من صورته على وعد توفير الأمن خاصة لمستوطنات الشمال، وفشل في تحقيقه، حاول تقديم رواية حول ما جرى في تلة علي الطاهر، تعتبر ما حصل وفق روايته إنجازاً يمكن أن يقدمه للناخب الإسرائيلي باعتباره ثمرة للعدوان الذي يشنه على لبنان وعدة جبهات، وبناءً على هذه الرواية عمل نتنياهو على تحويل تلة علي الطاهر من موقع عسكري إلى ورقة انتخابية محاطة بضجيج إعلامي كبير، دون أن يتمكن هذا الضجيج من إخفاء عدد كبير من الأسئلة حول حقيقة ما جرى وما حصل من المواجهات بعضها من المسافة صفر مع رجال المقاومة الذين لم يكتفوا بحماية الجغرافيا بل أعادوا إحياء رمزية المكان ببطولة وعناد الرجال الذين لا يتركون مواقعهم إلا ليحولوا أحلام الاحتلال إلى سراب، وسط حقول الألغام والكمائن المتوقعة وغير المتوقعة في الميدان.
بعد إعلان نتنياهو عن السيطرة العملياتية على تلة علي الطاهر استمر القصف على التلة وهذا يشير إلى نصر زائف يروج له نتنياهو، دون إظهار أي صورة لدخول أي جندي من قوات الاحتلال إلى التلة، وهو لم يدخلها خوفاً من الخسائر البشرية في صفوف الضباط والجنود الذين فشلوا خلال أشهر من دخول التلة وسقط بينهم عدد كبير من القتلى بينهم قائد كتيبة.
كان نتنياهو يريد أن يروج إعلامياً بأنه حقق إنجازاً في إطار ما يسميه استكمال إقامة المنطقة الأمنية التي يريدها في جنوب لبنان، وبعد عجزه عن ذلك حاول هو ووزير حربه يسرائيل كاتس تعويض الفشل الميداني بالغارات بالطائرات الحربية والمسيرات والقصف المدفعي وإلقاء كمية من متفجرات وزنها ألف ومئة طن وصفها بعد انفجارها على تلة علي الطاهر المركز الوطني للجيوفيزياء وهيئة المسح الجيولوجي الأميركي بأنها عبارة عن هزات أرضية تتراوح قوتها ما بين 4,1 و 4,2 درجة على مقياس ريختر، ولكن هذه التفجيرات ومحاولات الاقتحام التي أراد منها جيش الاحتلال السيطرة على التلة، كشفت حجم العجز وعدم القدرة على تثبيت السيطرة على الأرض إضافة للفشل في إظهار عملية التفجير بأنها سيطرة عملياتية على التلة، وقد أثبتت الوقائع الميدانية عدم وجود أي سيطرة أو وجود عسكري لجيش الاحتلال على الأرض، حيث ما زال رجال المقاومة قادرين على الدخول والخروج من منطقة تلة علي الطاهر، ومحيطها وقت تقتضي ضرورة العمل والمواجهة، وهذا الأمر لم تستطع
نفيه تقارير المراسلين العسكريين الإسرائيليين وبيانات جيش الاحتلال التي لم تظهر أي صورة لدخول التلة أو رفع علم الاحتلال عليها وهذا ما اعتاد فعله جيش الاحتلال على أي منطقة يسيطر عليها، وهنا تتأكد حكاية الأوهام الإسرائيلية حول ما حدث في تلة علي الطاهر.
لقد نجحت المقاومة في منع جيش الاحتلال الإسرائيلي وعلى مدار أشهر من تحقيق اي من أهدافه في تلة علي الطاهر، ولم تمنحه ما يمكن أن يسميه انتصاراً رغم توقعاته بأن هناك مقاومين يمكن أن يرفعوا راية الاستسلام ويخرجون من التلة رافعي الأيدي، لكن هذا لم يحصل والمعركة ما زالت مفتوحة على أكثر من احتمال في صراع هو صراع إرادات عنوانه الدفاع عن الأرض واستمرار الحياة اليومية كعنوان لتمسك أهل الجنوب بأصالة الفعل المقاوم والصمود والثبات.
إن قصة تلة علي الطاهر ليست قصة تلة سقطت أو تلة صمدت، بل إنها قصة الجنوب اللبناني المقاوم الذي يرفض أن يتحول إلى منطقة أمنية منزوعة السلاح وخاضعة للاحتلال، وهذا خط أحمر بالنسبة للمقاومة التي ترفض وجود أي منطقة عازلة أو أي ترتيبات أمنية مع الاحتلال على حساب الأرض وأهلها، وإذا كان جيش الاحتلال الإسرائيلي يستطيع احتلال تلة، فإنه لن يستطيع احتلال ذاكرة أرض الجنوب التي لا تعرف لغة سوى لغة الصمود والمقاومة في حكاية نصر قادم ولو كره الكارهون.
المصدر: بوابة الهدف الإخبارية
