حكايات عن السجن والحرب
الحلقة 14: سحب الفرشات والأغطية

كميل أبو حنيش/ عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

يُعدُّ إجراء سحب الفرشات والأغطية من أقسى العقوبات التي تمارسها مصلحة السجون «الإسرائيلية» بحق الأسرى الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر وحتى اليوم، لا سيما في برد الشتاء القارس، بحيث تبدو الغرف التي يُحتجز فيها الأسرى عاريةً وباردةً تمامًا، بينما يمضي الأسرى ساعاتٍ طويلةً، إما على الأسرة الحديدية أو على الأرض، وقد تصل في بعض الأحيان إلى 48 ساعةً.
فهذه الوسيلة هي إحدى أهم وسائل تعذيب الأسرى، ومفاقمة معاناتهم، وهو ما يتسبب لهم في متاعب نفسية وجسدية وأمراض عضوية.
لقد بدأت ممارسة هذا الإجراء في الأسابيع الأولى لبدء الحرب، حيث اقتصرت العقوبة في البداية على الغرفة التي يُعثر بداخلها على هاتف أو راديو، بحيث يجري سحب الفرشات والأغطية والثياب لمدة 24 ساعةً، قبل السماح بإعادتها ثانيةً في اليوم التالي. وكان يتم إلقاء هذه الحاجيات في الساحة على الأرض المتسخة بطريقة همجية، وإذا كان الجو ماطرًا، تعود إلى الغرفة مبتلةً بالمياه.
ومع توالي الأيام، أصبح هذا الإجراء ثابتًا، بل واتسع ليشمل معظم الغرف في السجون، كما اتسعت ذرائع فرض هذه العقوبة لتشمل: الكشاطة، أو بطارية، أو سلكًا كهربائيًّا، أو الصلاة بصوت مرتفع، أو الغناء، أو مشادةً كلاميةً مع أحد السجانين….
غير أن هذا الإجراء بدأ يُمارس كعقوبة عامة بحق جميع الغرف والأقسام، على الأقل في سجني نفحة وريمون، اللذين أصبحا سجنًا موحدًا عُرف باسم «جانوت»، وذلك في المرحلة الأولى من صفقة التبادل أواخر شهر يناير/2025. فمنذ اليوم الأول لعملية التبادل، التي كانت على شكل دفعات واستمرت نحو شهر ونصف، كانت تتم عملية إبلاغ الأسرى عبر سماعة الإدارة بضرورة إخراج حاجياتهم من الساعة السابعة صباحًا وحتى السابعة مساءً.
وبالفعل، كان يجري فتح الغرف، غرفةً تلو أخرى، عن بُعد من خلال الزر الكهربائي، ويقوم الأسرى بإخراج حاجياتهم إلى الساحة، بينما يظلون طيلة اليوم بلا فرشات أو أغطية.
لقد كان هذا الإجراء مُنهكًا وغير إنساني، وأظهر مدى سادية مصلحة السجون الصهيونية، حيث عبّر أحد الضباط عن ذلك قائلًا: «سنبقى نعذبكم حتى آخر يوم لكم في السجون، أو آخر يوم في حياتكم».
وقد كانت تصلنا أخبار عن هذا الإجراء وغيره من السجون، الذي بدا شاملًا مع تفاوت بين سجن وآخر، وكان هذا الإجراء يكاد يكون ثابتًا ويوميًّا بحق أسرى غزة، خاصةً في سجن النقب وسديه تيمان.
شهدت شخصيًّا على تطبيق هذا الإجراء أكثر من ثماني مرات في الغرف التي كنت أعيش فيها، بحيث كانت أجساد الأسرى تتكدس على الأرض الباردة في الشتاء القارس، أو تتمدد على الأبراش الحديدية في محاولة لنيل قسط من النوم، بلا أي طائل، في انتظار عودة الفراش والأغطية والثياب في اليوم التالي. ورأيت كيف كان السجانون يتلذذون بعذاباتنا، وهم يطوفون في أنحاء الساحة لتفقد الغرف، ويشعلون مصابيحهم اليدوية، ويسلطونها على كل أسير، ثم لا يلبثون أن يغادروا وهم يتضاحكون.
كما شهدت إجراء سحب الفرشات اليومي (نصف يوم) أكثر من ثلاثين مرة، وكانت هذه العقوبات ظالمةً، وانتقاميةً، وبلا أية أسباب.

انتهى