بعد أكثر من عقد على انطلاق “عاصفة الحزم”، يقف اليمن اليوم في موقع مختلف تماماً عن ذلك الذي أراده له التحالف السعودي. فما كان يُفترض أن يكون حملة سريعة لإنهاء سيطرة أنصار الله، تحوّل إلى صراع مفتوح أثبتت فيه القوات اليمنية قدرة على الصمود وإعادة تشكيل موازين القوى، ليس في اليمن فحسب، بل في الإقليم بأكمله. ومع تصاعد المعارك في تعز والساحل الغربي، يتجدد هذا المشهد: تقدم ميداني للقوات اليمنية، وفشل متكرر للقوات التابعة للسعودية في تحقيق أهدافها.

صمود أمام “عاصفة الحزم” وانهيار الرهانات

منذ 2015، راهن التحالف السعودي على أن القوة الجوية الكثيفة والتفوق المادي سيكسران إرادة اليمنيين في غضون أسابيع. لكن النتيجة جاءت معاكسة: صمد اليمن، وتحوّل من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة. ومع كل جولة تصعيد، كان التحالف يكتشف أن الحرب ليست عملية عسكرية محدودة، بل مستنقع استراتيجي لا نهاية له.

هذا الصمود لم يكن مجرد قدرة على التحمل، بل أنتج معادلات جديدة فرضها اليمن على الأرض: بدءاً من تأمين حدوده البحرية وصولاً إلى باب المندب، ومروراً بقدرته على الرد في العمق السعودي. وهذه المعادلات لم تعد قابلة للتراجع، لأنها باتت مرتبطة بوجود قوة عسكرية حقيقية وقاعدة شعبية واسعة.

من نصرة غزة إلى المعادلة الإقليمية

لم يبقَ الصراع اليمني محصوراً في حدوده. فقد جاءت معركة نصرة المظلومين والمستضعفين في غزة لتكشف عن تحوّل أعمق: اليمن لم يعد طرفاً يتلقى الضربات، بل فاعلاً يفرض أولوياته على المنطقة.

فبينما عجزت أطراف عربية وإسلامية عن اتخاذ موقف ملموس، كان اليمن يطلق الصواريخ والطائرات المسيرة ويغلق البحر الأحمر أمام السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني.هذه الخطوة لم تكن رمزية فقط. فقد أعادت تعريف قواعد الاشتباك في البحر الأحمر، وأجبرت شركات الشحن العالمية على تغيير مساراتها، ودفعت القوى الكبرى إلى حسابات جديدة. وبذلك، نجح اليمن في تحويل قضية غزة من ملف بعيد إلى معادلة إقليمية مباشرة، وربط مصيره بمصير المستضعفين في المنطقة.

التقدم الميداني وفشل القوات الموالية للسعودية

في محافظة تعز والساحل الغربي، تتكرر الصورة نفسها: تقدّم للقوات اليمنية، وفشل للقوات التابعة للسعودية في تحقيق أي اختراق ميداني. ففي حين تحدثت القوات الحكومية عن “مئات الضربات الدقيقة” و”إحباط محاولات التسلل”، كان الواقع يفرض معادلة مختلفة: أنصار الله يوسّعون نفوذهم، ويقتربون من مواقع حساسة، ويستهدفون تجمعات عسكرية في العمق.

ويأتي تصريح عضو المكتب السياسي لأنصار الله، حزام الأسد، ليُلخّص هذا المشهد:”لا يوجد في باب المندب وذوباب والمخا إلا رجالُ القوات المسلحة اليمنية وأبناءُ تلك المناطق، أما التحشيدات السعودية التي حاولت صباح اليوم تجاوز محافظة لحج، فقد عصفت بها «عاصفة البأس اليماني الشديد». حاولوا صناعة «انتصار إعلامي»، فإذا به يرتدّ عليهم خيبةً وخسرانًا، ويكشف مجددًا زيف ما يروّجونه من انتصارات وهمية.”

هذا التصريح لا يكتفي بنفي وجود أي قوات أجنبية في باب المندب والمخا، بل يكشف عن نمط متكرر: محاولات سعودية لصناعة انتصارات إعلامية، تنتهي بالفشل على الأرض. وهو ما ينسجم مع ما يحدث في تعز، حيث تتباين الروايات، لكن المؤشرات الميدانية تميل لصالح القوات اليمنية.

السعودية: من العدوان إلى المأزق

على الجانب الآخر، تجد السعودية نفسها في مأزق متصاعد. فبعد سنوات من الحرب، لم تحقق أهدافها المعلنة، وتراجعت شركاؤها الإقليميون، وتحوّلت أراضيها إلى هدف للضربات اليمنية. ومع كل جولة تصعيد، تتضح محدودية الخيارات العسكرية، ويصبح واضحاً أن الحرب لم تعد قابلة للحسم لصالحها.

وفي هذا السياق، تبدو المحاولات السعودية لـ”تجاوز محافظة لحج” أو “صناعة انتصار إعلامي” محاولات يائسة لتعويض الفشل الاستراتيجي. لكنها، كما يقول حزام الأسد، ترتد خيبةً وخسراناً، وتكشف زيف الروايات التي تُروّج.

الثمن الإنساني والمسؤولية الأخلاقية

لا يمكن الحديث عن هذه المعادلات دون الإشارة إلى الثمن الإنساني. فالحصار، والغارات، والتجويع، كلها أدوات استُخدمت ضد الشعب اليمني على مدى سنوات. ومع ذلك، لم تنكسر الإرادة، بل ازداد اليمن تمسكاً بموقفه، وربط قضيته بقضايا المستضعفين في المنطقة.

وهنا يبرز البعد الأخلاقي: فبينما كانت بعض العواصم تتحدث عن السلام وتتواطأ في الوقت نفسه على غزة، كان اليمن يقدّم نموذجاً مختلفاً — نصرة المظلومين بغض النظر عن التكاليف. وهذا الموقف، بمقاييس القوة والاستراتيجية، منح اليمن شرعية إضافية في نظر كثيرين.

خاتمة

من صمود “عاصفة الحزم” إلى نصرة غزة، ومن باب المندب إلى تعز، يفرض اليمن معادلات جديدة على الإقليم. هذه المعادلات لا تقوم فقط على القوة العسكرية، بل على إرادة شعبية صلبة، وموقف أخلاقي واضح، ورفض للخضوع. وفي المقابل، تتكشف يوماً بعد يوم محدودية القوات التابعة للسعودية وعجزها عن تحقيق أي انتصار حقيقي.والخلاصة أن اليمن، بعد أكثر من عقد من الحرب، لم يعد ذلك الطرف الذي تُفرض عليه الشروط، بل أصبح الفاعل الذي يفرض شروطه ومعادلاته. وهذا هو التحول الأهم في هذه المرحلة.