أبِصاروخ بآلاف الدولارات تجابهون به صاع قمح أي إفلاس أخلاقي وصلتم إليه؟!
عفاف فيصل صالح
. زفير الفطرة وعرش الضمير
ليس دمع العين صاعقة من عدم، ولا ارتجاف الأفئدة لإندثار أسماء الرضع انتكاسا في ميدان الصبر بل هو شاهد الحياة الصارخة في زمن التخدير العالمي، والنبض الحي الذي يأبى أن يتبلد أمام بشاعة الطغيان.
غضبك لظلم لا يمس خاصتك هو البقية الباقية من إنسانيتك، واليقظة ليست حملاً يجهد الإنسان بل هي التاج الذي يميز من ارتضى أن يبقى إنسانا في عصر سقطت فيه المبادئ تحت أقدام المصالح.
.خلف كل جريمة يدونها الركام، حكاية قطع غزلها جبراً حلم طفولي انطفأ قبل أن يبلغ المدى، ويد امتدت لتصافح الحياة فعاجلها الموت، وصوت خنقته الشظايا قبل أن يتم كلمته الأخيرة.
الضحية في عرف الأحرار ليست أرقاماً صماء في تقارير المنظمات، ولا أجساداً تدرج في طيات الأرشيف؛ بل هي أم يتفطر قلبها انتظاراً وطفل يتساءل بين الركام عن سبب جرمه، ووطن مكلوم يدون في سجل الخلود أسماء أبنائه الأبرار.
. ملحمة تعز سوق ماوية حين يمازج القمح الدم
في قلب تعز العز والكرامة، حيث تتجلى بساطة الأرض وطهر الجبين، في “سوق ماوية” الشعبي الذي لا تعرف أزقته مواقع العسكر، ولا تمتلك أروقته صور السلاح، صباح يجتمع فيه الكادحون ليبيعوا عرق أجسادهم وثمرة غراسهم.. هناك، صب أعداء الحياة حقدهم الملياري.
طائرة شريرة في كبد السماء، تطلق صاروخا يتجاوز ثمنه مئات الآلاف من الدولارات لتغتال أرواحًا لا تملك إلا صاعاً من القمح وطبقاً من الخضار!
لم يفرق هذا العدوان بين بائع يبث أمله ومستور يبحث عن قوت يومه.
لم يميز بين أم تحضن طفلها وشيخ أفنى عمره في طلب الحلال.
في لحظة غادرة، تحول المشهد المعيشي إلى مقبرة مفتوحة، وامتزجت طزاجة الخضار بدماء الأبرياء، وغدت أعدال القمح أكفانا تضم ألف أمنية مذبوحة.
قصف سوق شعبي ليس استهدافًا لنقطة عسكرية كما يروج المموهون بل هو جريمة استهداف للإنسانية في جوهرها. إنه السقوط الأخلاقي التام لنظام جردته سنوات الطغيان من كل المبادئ الدينية، والإنسانية.
. خديعة “الأخطاء” ومعادلة الصمود اليمني
على مدى سنوات طوال واليمن المجيد يقف تحت وابل النار؛ قصفوا المصانع ليكسروا أعمدة الاقتصاد، قصفوا المدارس ليطفئوا نور العلم، استهدفوا أعراس خطفوا الفرحة وحولوها إلى فاجعة فادعوا أنه “خطأ فني”، ودكوا صالات العزاء فقالوا “معلومات! واليوم إذ يسحقون أرواح سوق ماوية، أي كذبة بالية سيغتصبون لتبرير دماء الأطفال؟
لكن الحقيقة شامخة كالشمس في كبد السماء:
. العدوان لا يحارب جيشاً بل يحارب لقمة العيش.
. العدوان يجهل جينات الإنسان اليمني.
فاليمن الذي ضرب جذوره في عمق التاريخ لا يركع:
. إذا جاع اليمني: لم يطلب الهوان، بل قاتل عن كرامته.
. إذا هدم بيته: لم يبك على الأطلال، بل بنى من حجارته مترسا وفوق الركام بندقية.
. إذا قتل ولده: لم ينقطع نسله، بل أنجبت الأرحام ألف ثائر يحملون ثأره ويسيرون على دربه.
فليعلم الكل أن زخات الصواريخ لن تهن الإرادة، وأن الحصار لن يستأصل قوة عزيمتنا، وإن كل قطرة دم سفكت في الأسواق والمدارس ستنبت في شرايين هذه الأرض ألف مقاتل جديد يصون الحمى ويدافع عن العرض ويقارع العدوان الظالم ويزيل كل باطل.
. صاعقة المصير والمحكمة الإلهية
أتظن أيها المغرور بطائراتك أنك بالقصف الوحشي ترعب القلوب؟ كلا والله! إنك لا تفعل سوى كشف عورة إفلاسك. كل بيت آمن هدمته فوق رؤوس نسائه وأطفاله ليس أيقونة نصر، بل هو جبل من العار الساحق الذي سيقع على هامتك.
دماء الأطفال الرضاع الذين ذبحوا بلا جريرة:
. لن تجف: بل ستبقى نارا سعيرا تحت أقدام الملوك والقادة المجاريم.
. ستتحول لعنة: تطاردكم في المنام واليقظة، فتحيل عليكم أرق ونهاركم جهنم.
. ستغدو زلازل: كل حجر سقط سيعود صاعقة تهد الجبال فوق رؤوسكم وتمسح وجودكم المزهو بالباطل.
إن استهداف المدنيين العزل هو الإفلاس الأخلاقي والعسكري في أبهى صوره. وستبقون صغار أمام رجال تاهت الجبال إجلالا لخطواتهم. أطفالنا ليسوا بنك للأهداف؛ أطفالنا هم أقباس أرواحنا، ومن يمس أرواحنا سيلقى “رجال الرجال” كالصواعق المرسلة تزلزل الأرض وتجعل ليله نهارا من نار.
وتلك الآية الإلهية ستبقى الحاكم المطلق الذي لا يجارى: (وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت).
سيقيم الله ذلك الطفل المذبوح في أرض المحشر، ليقف خصماً أمام سفاحيه، وحينئذ لن تنفع الطائرات، ولا الصواريخ المجنونة، ولا أمريكا التي ظننتموها حاميًا وعاصماً من العذاب.
فالرحمة والخلود لشهداء “سوق ماوية” والشفاء العاجل للجرحى، والخزي والعار والسقوط للعدوان الظالم، والنصر المجيد والخالد لليمن العزيز.
